قراءة في كأس بيرة لسهيلة بورزق

قراءة في كأس بيرة لسهيلة بورزق

ماتت أمي، مات حازم ومات أبي، وبقيت
حكايتي غصة في قلب الوطن
سهيلة بورزق - كأس بيرة

خبر

بعنوان كأس بيرة وعن دار سندباد للنشر والإعلام صدرت مؤخرا, المجموعة القصصية الأولى للأديبة الجزائرية المهاجرة سهيلة بورزق ، الكتاب من مئة صفحة وثلاث عشرة قصة ومفتتح وسيرة ذاتية

لوحة البداية

كان منبطحا على الأرض وصورة أمه الى جانبه، إنحنت، قبلت جبين ماكس، مسحت على شعره، تحرك هو، شعر
بالدفء يسري في جسده، التقط صورة أمه ، عانقها ثم نام ثانية
من قصة هيلوين

رجاء لا أكثر

اندهشت فعلا وأنا أقرأ القصة الأولى ثم الثانية…إندهشت فعلا،و سقطت أفكاري المسبقة البليدة التي كانت تشكل قناعة بالنسبة لي قبل الشروع في قراءة عمل من هذا النوع ، سقطت فكرة الأدبية المبتدئة كما تسقط جرة طينية عتيقة من عمارة باريسية عالية في شارع مكتظ، وأحسست بالخجل وبالتواضع القصري في حضرة شيء يذكر بأجاسا كريستي ، اعتدلت في جلستي كما يعتدل الأطفال المهذبون في المداس الجيدة وأعدت قراءة القصة الأولى


سأرسم لك جسد إمرأة أجمع فيها رغباتك كلها

بأكثر من 66 بالمئة من عناوين القصص ومن مضامينها أيضا، تسيطر حالات الجسد الأنثوي : شهوة، رغبة، حالة جسد، غواية نهد، إمرأة بنصفين، حالة ممنوعة… على صفحات الكتاب، ويتجلى هذا التوجه منذ القصة الأولى ليلة القبض على الحب من خلآل الوعد الذي تخلقه البطلة لذلك المحتفل بصمته قائلة : سأرسم لك جسد إمرأة أجمع فيها رغباتك كلها

أنا الأنوثة الفاجرة جدا

ويسيطر ضمير المتكلم أنا على صفحات الكتاب كلها، لكن أي أنا؟ أنا بطلة كل قصص الكتاب، أنا ضمير المتكلم ،الفاعل، أنا الأنا الأنثوي، لكن لا الأنثى العربية المغبونة، المغلوبة على أمرها، أو المقهورة في جلباب الدين البلادة وإنما أنا الأنوثة الفاجرة جدا و الهاربة من التقاليد


سحب مسدسه الرمادي، صوبه نحو رأسي وأطلق النار

كما في سينما الحدث-الحركة ، منذ اللحظة الأولى تنسج القاصة أحداثا وصورا تشدك باستمرار الى الإنغماس فيها، بل وتجبرك، تورطك، فبمجرد قراءة الجملة الأولى تقع في شباك الحدث-القصة ، أو في عنكبوتيته ، الوصف الذي يحلو للكاتبة ابتكاره في تصوير تقنيات إصطياد الذكر من طرف الأنثى، لاحظوا كيف تبدأ قصة هلوين مثلا
سحب مسدسه الرمادي، صوبه نحو رأسي وأطلق النار
ها مجرد جملتين ، ثمان كلمات ونحن عمق الورطة،قتيلة و قاتل و شهود… أنت الشاهد هل تتجرأ على رمي الكتاب جانبا والإنغماس في عمل آخر كما ينتقل المشاهد من قناة تلفزيونية الى أخرى؟ بكل موضوعية صعب صعب مستحيل
لا لأننا في ورطة تتعلق بضية قتل ولكن لأننا في ورطة أدبية إذا صح التعبير،إن شوقا قد خلق، إننا نريد أن نعرف أكثر، حسنا سنحاول الإنتقال الى قصة أخرى بدون جرائم ونقرأ الجملة الأولى
لم أتصور نفسي يوما إمرأة عنكبوتية،… ها قد وقعنا في ورطة جديدة وبدأت الصور تتلاحق في خيالاتنا، ها هي البطلة تجري لاهثة خلف كل ما ينبض بالذكورة لتلقي شباكها العنكبوتي عليه، وعلينا أن نعرف ما سيحدث بعد ذلك. من جديد سأبدأ قصة أخرى فقط ليطمئن قلبي
كان علي مغادرة الحانة قبل وصول نيرمينيا المتعجرفة… ورطة جديدة ، او بالأحرى لذة جديدة ، كيف هي نيرمينيا ولماذا لا تحب بطلتنا أن تلتقيها وماذا سيحدث لو دخلت نيرمينا الآن؟
إن الأديب الجيد كأي حرفي جيد يعرف كيف يصطاد زبونه ويعرف كيف يسوق بضاعته وهم مطمئن الى جودتها ، وهذا ما نستشفه في هذه القصص

أريد أن أفهم ما الخطأ في كوني عربية؟

ليس لدى القاصة مكان مفضل تجري فيه الأحداث ، بل لكل قصة مكانها : استراليا،روما، فرجينيا، البار، الفندق، نادي الفروسية، القبر ،الحلم، ثم زاوية البدء. إن هذا التنويع في إختيار المكان يعطي لكل قصة نكهتها الخاصة بها ولغتها المتميزة وزمنها فالزمن لدى القاصة ليس تماما وحدة لقياس الوقت ، ويمكن أن يوحي بما يعادل بضع ساعات في حالة جسد الى بضع شهور أو سنوات كما في شالوم،أو الى انعدامه تماما في قصص أخرى. ويبدو أن الزمن لا يشكل قيمة مستقلة بذاتها لدى الكاتبة، إنه مثل الموسيقى الخلفية للأفلام ، يتلاءم فحسب، ولا معنى له خارج سياق الحدث


أنا لست باردةكما تظن، لكنني بحاجة الى رجل يفهم جسدي

سهلة وممتنعة تلك هي لغة سهيلة، لغة ماركيتنغ، فعل فاعل ومفعول به ،إنها هنا لتؤدي وظيفة لا لتوحي بقدسيتهاوشعريتها وتعاليها، لغة صافية من الحشو واللغو والفصاحة، ومن، البلاغة أيضا، ومن الخطابة و ومن الكلام المجتر الى اللانهاية، إنها لغة لا كذب ولا تزوير ولا مخادعة فيها ، أحيانا مباشرة الى حد نعقد أنها نقل فصيح لعامية الشارع ، تقول: أنا لست باردة كما تظن ، لكنني بحاجة الى رجل يفهم جسدي ، إن للغة كهذه ببساطتها وعاديتها، بشفافيتها وصدقها سلطة لا يمكن أن تكون الاسلطة حقيقية

قرية بكاملها تنتظر قطرات دم مسفوكة مني

إذا كانت بداية الكتاب تذكر بأجاتا كريستي فإنه كلما أقتربنا من نهايته إقتربنا من الشرق وبدأنا نتذكر أكثر الشيخة الريمتي وفاطمة الرنيسي وبدأنا نقترب من أعمق نقاط المكبوت وأشدها حساسية تقول
هي أمي من قررت تمزيق متعتي عندما استباحت فرجي لإمرأة عجوز
يمارس الرجل العربي الحب مع إمرأته بنفس الطريقة التي يأكل بها وهو تحت تأثير جوع غاضب ،وعندما ينتهي يتركها لعويل الشهوة تأكل جسدها
قرية كاملة تنتظر قطرات دم مسفوكة مني

لوحة النهاية

عندما كانت أمي ترفض مشاركة أبي فراشه، كان يقبل رجليها ويعدها بالذهب والفسح . من قصة غواية نهد
لكم تمنيت أن أرسم هذه اللوحة ولوحات مثلها مازلت جاثمة في رأسي وفي صدري ولم أستطع أن أعرف حتى الآن كيف أصورها

أخيرا

أهذا تحرر فعلي؟ أهذه شجاعة كبيرة؟ أهذا جنون؟ أهذه إعترافات طفلة بريئة وهشة صدمها العالم ؟ أهذه كتابة لا يملك الكاتب إلا أن يلعب فيها دور الطفل في قصة لباس الملك الشهيرة فيصرخ ولكن الملك عار تماما ؟
لا اعرف، ولا أعرف كيف أعبر عن إعجابي بهذا العمل سوى أن أرفع كأسي حبا،فرحا وإحتفالا بهذا الكتاب الجيد

عمار مرياش باريس 9 أفريل 2009 

http://www.doroob.com/?p=35978

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *