فوبيا تحاور عمار مرياش

فوبيا تحاور عمار مرياش

حوار مع الشاعر الجزائري عمار مرياش
بقلم: عادل النقاطي

عمار مرياش شاعر عربي ، يبلغ من العمر اليوم 45 سنة، جزائري الجنسية يقيم في باريس ويشتغل بالتكنولوجيات الجديدة وهو في تونس هذه الأيام لقضاء عطلته السنوية ككل عام ، ولكن هذه السنة استغللنا وجوده في أمسيته الشعرية بالمركب الثقافي بسوسة للتعريف به و بكتابه الاخير ” الحبشة ، يليها النبي” الصادر عن دار نقوش عربية التونسية هذه السنة 2010

لو تحدثنا عن بداياتك

كنت في الثانية عشر عندما بدأت تأليف الأغاني ، بالنسج على منوال هدا الفنان أوذاك، كنت أريد أن أكون مغنيا ، ولكنني كنت شديد الخجل وكثير التواضع ، لذلك بدا لي منذ البداية أنني لن انجح في الغناء ،هكذا بدأت علاقتي بالشعر، بدأت مع الموسيقى، ومع أنني حاولت أن أتعلم العزف او الضرب أو النفخ على آلة موسيقية إلا أنني عجزت في ذلك أيضا ، هكذا لم بيق لي من حلم المطرب سوى الكلمات ، كان علي إذن أن أجيد موسيقى الكلمات وكان علي أن أعوض الموسيقى والأداء بالكلمة وحدها.
طبعا كانت لدي اهتمامات أخرى ، في ثانوية مفتاح حيث كنت أدرس أقمت معرضا للرسم وللخط العربي ، لم اكن رديئا، الرداءة ستظهر مع التقدم في الوقت –هههههههههه- ولكن الشعر كان قويا جدا علي ، كنت أكتب رغما عني ، كان الشعر يتنزل علي كما يتنزل الوحي ولكنني كنت لا أتوانى في تغيير الكلمات التي لا تعجبني ، لم أحب أن أكون عبدا لقوة خارجية أعتقد أنني فهمت منذ البداية أن الشعر في جزء كبير منه صناعة ، صناعة عالية الجودة , وكان أساتذة العربية والأدب العربي يحاولون إقناعنا دائما أن عاطفة الشاعر صادقة ، وكان ذلك يقلقني ، هل كان المتنبي وهو أعظم شعراء العرب صادق العاطفة حين مدح كافور قائلا: كأنك شمس والملوك كواكب ثم هل كانت عاطفته صادقة أيضا حين هجاه قائلا : لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد ، لا أحب العاطفة الصادقة في الكتابة ، العاطفة الصادقة مثل الطريق إلى جهنم ، محفوفة بالنوايا الحسنة، كما ورد في الحديث النبوي الشريف وربما لهذا سأكتب قصائد مثل لا يا أستاذ

لا يا أستاذ
الشاعر لا يحسن شيئا في التعبير
الشاعر يحيا
ويعبر عند العجز المطلق بالكلمات
فالشعر حياة
والشاعر ليس كبيرا
الشاعر متسع في الأنوات
لكن أحيانا حين يضيق الشاعر
تكبر في عينيه الذات

بدايتك في النشر كيف كانت ؟

لا افهم شيئا عندما أتذكر بداياتي مع النشر في الصحافة ، كانت الصحف الجزائرية تعد ملاحق أدبية كنت أراسلها من حين لآخر ولا أتذكر أنها نشرت محاولاتي الأولى وكنت انتظر بشوق أن أرى قصيدة لي منشورة ولم يحدث هذا، اول قصيدة نشرت لي اعتقدت أنها كانت في مجلة “سيدتي” السعودية التي تصدر بلندن وهي مجلة راقية الطبع كانت سعادتي كبيرة جدا ، كنت في السابعة عشر من عمري وكان ذلك ، إذا لم تخنني الذاكرة قبل البكالوريا بأيام ، بعد البكالوريا مباشرة سأمنح جائزة من طرف إتحاد الكتاب ثم يذاع لي من صوت العرب بالقاهرة مباشرة من بغداد بالمربد الشعري، مقطع من قصيدتي إلياذة العرب بصوت الشاعر المغربي المرحوم محمد الطوبي ، هذه القصيدة قدمها له أستاذي الشاعر الجزائري القدير سليمان جوادي الذي كان بمثابة أبي الروحي في بداياتي، بعدها مباشرة أمنح الجائزة الأولى لمجلة الوحدة والجائزة الأولى للجنة الحفلات للجزائر وهما مسابقتان وطنيتان، وبدأت تجرى معي لقاءات لصحف وطنية وتصلني دعوات لمهرجانات وطنية كبيرة ، هكذا ولدت كبيرا ، لم أحبو أبدا، جئت الى عالم الأدب ناضجا ، ولدت علي قدمي، ولدت واقفا

ما هي مؤلفاتك المنشورة حتى الآن ؟

حتى الآن ، صدر لي كتابان “اكتشاف العادي” و ” الحبشة” ، اكتشاف العادي صدر عن الجمعية الوطنية للمبدعين أو “جماعة المعنى” عام 1993 بالجزائر وهي جمعية ضمت أهم كتاب الجزائر الجديدة ، جزائر ما بعد الاستقلال وما بعد الإيديولوجيا، من بين مؤسسي المعنى مثلا الروائي والإعلامي عبد العزيز غومول ، الشعراء عاشور فني ، نجيب انزار سعيد هادف، مصطفى دحية ، جمال بلعربي وغيرهم ‘ وقد راهنت جماعة المعنى” على ديواني “اكتشاف العادي” ، كثيرون لم يفهموا ما يحدث ، لكن في تلك اللحظة انطلقت حركة جماعية رائعة ، “اكتشاف العادي” أعتبر قطيعة مع الشعر المعروف ، حتى أن الأستاذ نجيب انزار القي محاضرة حول الكتاب بعنوان “الشعر الجزائري ، ما قبل اكتشاف العادي وما بعد” ، الكتاب ترجمت بعض قصائده ودرست بالإسبانية ، ترجمته دانيا إلى الفرنسية ثم ترجمه الشاعر عاشور فني إلى الفرنسية أيضا نشره إتحاد الكتاب الجزائريين في إطار سنة الجزائر بفرنسا عام 2003

ها…انبثق اللحظة منفردا
أفرد قلبا بذراعين لأحتضن العالم
أضبط إمزادي وأغني:
طوبى للأعمى
طوبى للأبكم
لا شيء جدير بك
إني حاولت فحسب

والكتاب الثاني هو “الحبشة، يليها النبي” الذي صدر هذا العام عن دار نقوش عربية التي يديرها الأستاذ منصف الشابي والحبشة هو عنوان قصيدة ملحمية بطلها فنان تشكيلي سريلي قليلا ، متوحش قليلا ومجنون أيضا

أرسُمُ الصحوَ مرتبكًا والندَى ثملَ الخطو ِ يحبوُ …
ولا أرسُمُ الشجرَة
– أرسُمُ الغُولَ ذَا العينِ فوقَ الجبينِ وأََعني بهِ الْ..-غد-،
– لونْجَا بوحْشيةِ اللُبؤاتِ
وقدْ أشتهيهَا إِلى حَدّأَنيِّ أُطاردُها في الشَّوارعِ،
– خيطَ دُخَان يكفِّنُ بعضَ العُيون
العُيونُ التي عَذَّبتنيِ وشَوَّهني عِشقُها
يُتَخَيَّلُ أَنَّ الفَواكهَ مشْنوقةٌ بالعمَامَاتِ

تتطور القصيدة في فضاء مفتوح ومتقاطع بقوة مع الواقع الجزائري الثمانيني ومن خلال تناص عضوي مع مواقف معروفة في التراث أو التاريخ العربي والإسلامي خاصة

أرسُمُ الحُبَّ فقرًا رضيعًا وأَفطمهُ
لأُعلِّمهُ الصبرَ منذُ الصِّغَرْ
ثمَّ أُهديهِ مسبَحةً، لحيةً وعصًا
وأَقُولُ لهُ : قلْ لهُمْ،
قلْ لهُمْ،
قلْ لهُمْ،
فيَقُول :
دِينُكُمْ دِينُكُمْ
ليْسَ دِينيِ كَمَا دِينكُمْ
دِينُكُمْ ليسِ دِينيِ
وليسَ لكُم دِينكُمْ.

كتبت وقرأت القصيدة الحبشة بأشهر فقط من أحداث أكتوبر 1988 والتي ستؤدى إلى الانفتاح الديمقراطي والى نهاية الحزب الواحد في الجزائر، الحبشة هام بها أيضا الفنان علي ىفوضيلي المدعو عباس وشكل بها أول تنصيب تشكيلي من نوعه في الجزائر عام 1991 وكان ذلك عملا مدهشا

وماذا عن ديوان “لا يا أستاذ” ؟

لا يا أستاذ لم ينشر بعد، طبعت منه 30 نسخة وزعتها على المختصين فقط ، وسيطبع قريبا ، أنا لست واضحا بخصوص هذا الكتاب ، أحيانا أعتبره نشر ما دمت وزعته ولو على مختصين فقط ، ليس مشكلا لنقل هو عمل سيصدر قريبا

مصادر الكتابة ؟

منذ صغري كنت أذهب إلى المكتبات والمكتبة الوطنية بشكل خاص وأبحث ، أكتشف، أتسلى وألتهم بشبق ما انتج العقل البشري من أدب وفكر وفن ، كنت تلميذا في فرع علمي ، كنت متفوقا جدا في الدراسة لذلك وضعوني في قسم عملي ، مع ذلك كنت أقضي جل وقتي في قراءة الأدب ، اكتشفت الإلياذة والأوديسة والكوميديا الإلهية بمفردي ، وقرأت تشولوخوف بوشكين رامبو بودلير ودواوين الشعر العربي من امرئ القيس إلى الأعمال الكاملة للبردوني، حتى دخولي الجامعة كنت أبحث بمفردي ، في الجامعة اخترت الاقتصاد لأن معهد الأدب ليس بوسعه أن يضيف لي شيئا ، كنت أعرف برنامجه تقريبا ، هكذا ترى أنني قرأت الجميع تقريبا ، هل تأثرت ؟ بلا شك . بمن تأثرت أكثر ؟ لا أعرف ، أعتقد أنني تأثرت بالتقنية أكثر مما تأثرت بالأدب تأثرت بالإعلام الآلي بعلم الفلك وتأثرت أيضا بشارعي العربي بن مهيدي وديدوش مراد، نبض الشارع شرد وعيي وألهب كلماتي، نبض العاصمة الجزائرية هو الذي علمني كتابة الشعر ، لا درويش ولا أدونيس كان بمثابة هرم كبير ألتجئ لظله ، قرأت الشعر الحديث كما يقرؤه أي قارئ وإذا كنت قد تأثرت بنزار قباني فبنفس الطريقة التي تأثرت بها بالشاب خالد والريميتي ، لا، تأثرت أكثر بالشيخة الريميتي وأيضا بشيخ الطريقة الصوفية الشيخ سيدي أحمد العلوي، وبسليمان جوادي ، أنا أكره الخطابة والبلاغة والكلام المنمق والمعقد ، الشعر لغة عالية وليس “كيتش” ، لا ننس أن القرآن نزل ليتحدى الشعراء، الآن بالقرآن نداوي المرضى ونخرج الجنون والسحر ، على الشعر إذن أن يكون قادرا على القيام بالعكس ، على إدخال الجنون ، على السحر وعلى تحريك القلوب الصلبة والعقول المتجمدة.

فرنسا ؟

فرنسا وطن الثقافة بامتياز ، خاصة العاصمة باريس التي لا تبعد عني بأكثر من عشرين كلم كل شيء في فرنسا له بعد ثقافي من برج إيفل إلى الملاعق التي تناول بها فيكتور هيجو أو رامبو عشاءه ذات مساء في قرية صغيرة معزولة والسرير الذي نام عليه ، في فرنسا نجد نهج الجزائر ونهج وهران ومقبرة الأمير عبد القادر هذا صحيح ، لن نشعر بالاغتراب المطلق ولكن فرنسا تشجع اللغة الفرنسية ، تشجع الثقافة الفرنسية ، الكتاب الفرنسي تشجع كل ما هو عمل ثقافي فرنسي ، أنا شاعر عربي واشتغل بالثقافة العربية أساسا لذلك لم أجد حتى الآن كيف أساهم بشكل فعال بثقافتي العربية ، أشارك طبعا في بعض النشاطات الثقافية العربية ولكن بشكل نادر ، ولكنني منذ اشهر بدأت أفكر بجد في ضرورة إنشاء مِؤسسة ثقافية عربية أو جمعية للمشاركة في الحياة الثقافية الفرنسية باللغة العربية إلى جانب الفرنسية إن هذا ينقص كثيرين من أمثالي وبدأت بالاتصال ببعض الكتاب الذين يمكن أن يكون لهم نفس الهاجس ومن بينهم صديقي الشاعر التونسي المتميز كمال بوعجيلة.

ما هي تقنيات الكتابة لديك؟

تتطور تقنيات الكتابة عندي بسرعة كبيرة ، أنا شاعر تجريبي إلى حد كبير ، من الحبشة إلى اكتشاف العادي تطورت كثيرا ، أنا ليست لدي مواضيع للكتابة ولا تخصصات ، الأكثر أهمية عندي هو الكيف وليس الما ، كيف تقول وليس ما تقول، أحيانا نفس القصيدة يفسرها قراء بأشكال مختلفة ومتباينة تماما ، أتحدث هنا خاصة عن اكتشاف العادي وما بعد ، أن كتابتي تنحو أكثر إلى كتابة معيارية بدون جنس ولا مكان ولا زمان ولا عاطفة ولا موضوع ومع ذلك يمكن لقارئ تقليدي أن يعثر على كل هذا ، ولكن هذا سؤال تقني لا أعرف أن أتحدث فيه في لقاء صحفي ،الورقة البيضاء عندي مثل الأرض الجرداء بالنسبة للمهندس المعماري الذي يرغب في تشكيل معمار خالد،ولكنني لست مهندسا معماريا، أنا نصف مهندس في الشعر ونصف فيلسوف في الهندسة، جئت إلى العالم عار، أحس كثيرا وأعبر بهدوء، هناك قصائد أعدت مسوداتها أكثر من عشر مرات ، من هنا يأتي أسلوبي إذا صح التعبير.

ديوانك الأخير نشرته في تونس ، هل وصلت إلى القارئ التونسي؟

تعرفت علي القارئ التونسي قليلا في بدايات التسعينات ، أقمت أمسيات شعرية بمناسبة صدور ديواني اكتشاف العادي ودعيت لأكثر من نشاط ، حدث هذا منذ أكثر من 15 سنة ، لا يزال التونسيون يذكرونني ويتصلون بي ويحفظون قصائدي ، هل تتصور سعادتي حين يتصل بي جوهر أولاد حمودة لدعوتي أو إعلامي أن هذا الشاعر أو ذاك يرغب في رؤيتي ؟ إنني سعيد بزيارتي هذه التي عرفتني على بعض الأدباء والمنشطين الثقافيين وخاصة الفنان محمد الطاهر العجرودي الذي أكرم استقبالي وسعى إلى تقديمي للتونسيين وتقديم الأدب التونسي إلي وأهداني كتبا لشعراء وكتاب تونسيين وسعى إلى مشاركتي في نشاطات منها أمسية شعرية بالمركب الثقافي بسوسة ،والذي أشكر مديرته السيدة أمينة غربي ، حيث برمجت للقراءة في المركب وعرضت كتابي في وقت قياسي ، هذه الأمسية عرفتني على شعراء لم أكن لأسمع بهم دون جهد كهذا،تعرفت أيضا على أساتذة وقراء، والتقيت بيوسف رزوقة الذي لم أره منذ أكثر من 15 سنة ، كما التقيت الشاعر جلال باباي وقرأت إلى جانب كل من صافية التريكي، منذر النعيمي ونصر سامي وتعرفت على أسامة بوفريخة ، كما اشكر صديقي الأستاذ سعد برغل الذي ذلل بعض الصعوبات في طريقي وقدمني لأدباء سوسة. أنا موضوعي كثيرا و نرجسي قليلا أيضا ، أعتقد أنني شاعر جيد، وأرى أن التونسي قارئ ممتاز يميز ويحترم الشعر الجيد .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *