حاوره محمد الزاوي ليومية الخبر

حاوره محمد الزاوي ليومية الخبر

مع أني أحب الجزائر حبا فظيعا
أريد فقط منفذا وجواز سفر

عمار مرياش ،،صاحب الجائزة المغاربيّة للشّعر(1991)


لأنّه يحب الجزائر ويريد جواز سفر، يمكن فهمه أوجاع هذا الشّاعر الشّاب “عمار مرياش” صاحب الجائزة المغاربيّة للشّعر سنه 1991 وهو يعيش ربيع عمره بكثير من الآلام، آلام الوضع الثّقافيّ في بلادنا وما آل إليه… تصريحات ملؤها تأوهات أباح بها لجريده الخبر في هذه المقابلة

مقابله محمد الزاوي تصوير ميم نقطه بلومي

عمار مرياش: أعتقد أنّ الإبداع في حدّ ذاته ضرب من الهجرة. هجرة المألوف هجرة الآتي، بهذا المفهوم أنا مهووس بالهجرة. أمّا هجرة المكان فلأن الأرض تزداد ضيقا على الإنسان، رقعة الممنوع والمحرّم تتوسع والماضي يغزو، قبل سنتين كتبت:

لا مع إنّي عشقت الجزائر حتى الجنون.. وحتى الضجر
ورسمت اِسمها فوق ألف جدار..
حفرت قلوبا لها بالأظافر فوق ضلوع الشّجر
مع إنّني أحب الجزائر حبا فظيعا
أريد فقط منفذا وجواز السفر..

الخبر: ما الذي يرفضك في الجزائر حتى تريد جواز سفر؟
.

لا اعمارمرياش: الذي يرفضني في الجزائر هوالجزائر. الجزائر كبنية عامة، هذا التّناص التاريخي للحضارات والدم. وطن عمره أكثر من 12,000ألف سنة من الصّراع مع الآخر الغازي، فجأه نجد أنفسنا في مواجهة أنفسنا والعالم من نحن؟ سؤال حداثيّ تقنيّ إلى حد كبير، لكن لا، ما يحدث أنّ الإيديولوجيّة تاخذ المقدمة في اِتّجاه الماضي كإجابة على التّقنيّ المستقبليّ. ما يترتب بعد ذلك يرفضني وأرفضه، الجهل، الفوضى، بؤس المؤسّسات القائمه لحمايه هذه الظاهرة.

الخبر: من تقصد بالمؤسّسات العائله أم الإذاعة (القناة(1) الأوالتي تعمل بها، ورفضت عملك؟

عمر مرياش: أعتقد أنني ناجح في علاقاتي العائليّة والاِجتماعيّة والمهنيّة وحتى الأدبيّة فمئات القرّاء يحفظون قصائدي (أنا الذي لم أنشر ديوانا حتى الآن) المسألة ليست فيَّ كواقع بل كممكن، والقضيّة مطروحه على أيّ مثقّف يأتي من المستقبل كفاعلية تخلخل الموروث، وتطرح بدائل اِحتماليّة على مؤسّسات تقدّس الماضي كبعد مستقبليّ. هكذا يعامل الإبداعيّ كعاهر ينتهك العقول البكر ويتجاوز إغراء عوانس الثّقافة هكذا تعمل الأغلبيّة على إغتياله ليلا.

الخبر: إذن لتتحدث عن النّشاط الثّقافيّ في الجزائر؟

عمار مرياش: البنية التّحتيّة للعمل الثقافيّ في الجزائر فقيرة وغير عضويّة. قليل من دور النّشر ما يقلّ عن 200مكتبه للتّوزيع. الكتاب الأدبيّ لا ينشر (لأنّه غير مربح كما يقولون).
لا اِستيراد للكتب والمجلات. بالمقابل هناك اِرتجال في تنظيم الملتقيات والمهرجانات الأدبيّة. صفحات أدبيّة تنشر رسائل قرّاء على أنّها أدب لا أسس ولا معايير ثقافيّة. هكذا يصبح البعض شاعرا لمجرد أنّه يعرف المشرف على الصفحة الأدبيّة. أو لاِحتياج الصفحة لمادة تشبه الأدب.

الخبر: أمثلة عن هؤلاء الشّعراء الذين تراهم غير شعراء؟

عمار مرياش: ذاكرتي لا تحفظ الأسماء الرديئة هناك مؤسسات لمعالجة مثل هذه القضايا، معاهد الأدب مثلا، النّقاد، بعض الجمعيات الثّقافية ربما لكن ليس في لقاء.

الخبر: هناك من يقول إنّ اِستيراد الكتب هواِستيراد للغزو الثّقافيّ؟

لا افعمار مرياش: الذين يسوقون السّيارة كما يسوقون الجمال، ويجلسون على الكراسي كما يجلسون على الحصير، ويربون الانعام في العمارات. حين لا تكون لدينا شخصية يغزونا حتى الذباب والبعوض، لا الأفكار المتقدمة حين نجهل تاريخنا وأدبنا وديننا وثقافتنا نخاف حتى ظلّنا، لكنّني أرى أنّ اِستيراد المعرفة ضروريّ قبل اِستيراد منجزاتها التكنولوجيّة. إنّها أساس التّطور الحضاريّ.

الخبر: هل تتراود على المكتبات؟؟

لا اعمار مرياش: نادرا ما أجد كتابا جديدا مهما في المكتبات القليلة جدا. الكتاب لا ينشر محليّا ولا يستورد، خاصة الكتاب الأدبيّ، ودور النّشر القليلة تميل إلى الكتب التّجارية المربحة (الدينيّة والسّياسيّة)

الخبر: هل تطالع الكتاب الدينّيّ؟

لا افعمار مرياش: في قصائدي توظيف مكثّف للتّراث الدينيّ، وبشكل عضويّ، بمعنى اِستثمار التّراث تماشيا وحداثة القصيدة، لكن ما أطالع من الكتاب الديني المنشور في الجزائر، لا يتعدّى الوعظ والإرشاد بالتّرغيب والتّرهيب، أو اِستنساخ لفصول من كتب تراثيّة على أنّها كتب مؤلفة. أنا في حاجة إلى قراءة الموروث الدينيّ حداثيا حتى أواجه المستقبل معتزا باناي. المؤلف الوحيد الذي يعجبني في هذا المجال هومالك بن نبي لكنّه حال اِستثنائيّة في تاريخ الجزائر المعاصرة.

الخبر: لنعد إلى الهجرة تريد أن تهاجر لأنّك توقفت عن كتابة الشّعر وتبحث عن مدينه أخرى تمكّنك من اِنتاجه؟

عمار مرياش: حين يتوقّف إذا حدث وأن توقف النّهر يتحول إلى مستنقع آسن للحشرات والجراثيم يخلد للطمأنينة والسّكون وينتظر مصيره المحتوم إلى أن يجف. لكن النّهر، النّهرلا يتوقّف، قد يغيّر مجراه ومصبّه تلك مشيئته لكنّه لا يغير أبدا منبعه وطبيعة مائه. ربما أريد تغيير المجرى والمصب.
لا افهم شيئا عندما أتذكر بداياتي مع النشر في الصحافة ، كانت الصحف الجزائرية تعد ملاحق أدبية كنت

الخبر: لمن تكتب الشّعر، هل تجد آذانا تستمع اليوم للشّعر؟؟

لا عمار مرياش: بقدر ما يكون الشاعر يكون المتلقي (القراء والمستمعون) الكينونه هنا أصالة الإبداع. أصالة الإبداع تاتي من المستقبل لا من الماضي، لذلك يكون الشّاعر حين يتسع اِطّلاعه وتتعمّق تجربته تتنوّع، شرط أن يصدق شعوره وتصفو روحه، وعليه يكون المتلقي. بالنسبه لي أشعر أنّ المتلقي هو أنا بدرجات متفاوته، وهم كثيرون جدا.

الخبر أين تنشر أشعارك؟

لعمار مرياش: حين تحترم العمليّة الشّعرية تحترم كلّ شروطها. القصيدة والمتلقي وطريقة وصول القصيدة إليه. انشر أيضا أينما وجدت منبرا يحترم هذه العمليّة وأحضر الامسيات الشّعريّة.

الخبر: في السّنة الماضية مثلا أين قرأت شعرك؟

لعمار مرياش: في قاتل الموقار، وفي اِتّحاد الكتّاب، وفي الحيّ الجامعيّ هذا ما اذكر.

الخبر: أنتم الشّعراء، أنتم كثيرون في الجزائر؟؟

لا افعمار مرياش: نحن رائعون وموجودون في كلّ مكان إذا كنّا كذلك. طاغور موجود في الجزائر أمل دنقل المتنبي، نيرودا… لدى الشّاعر فاعلية فوق- زمكانية. لا يموت خارج وطنه وعصره. أعتز بشعراء كالأخضر فلوس، لخضر بركة، عثمان لوصيف، ميلود خزار، نجيب أنزار، نور الدين طيبي مصطفى دحيه، سعيد هادف وغيرهم. لكن حلقات العمليّة الشّعرية عندنا غير متلاحمة وربما بعضها مفقود تماما.
كيف يصل هؤلاء إلى المتلقي، منذ سنوات لم ينشر ديوان شعري محترم وحتى “القصيدة” المجلة الشّعريّة الوحيدة في الجزائر لا تملك الإمكانيات اللازمه لإصدارها بانتظام.

الخبر: لماذا لا تنشر في الجرائد؟

لاعمار مرياش: أنا أشتغل بمعدل ثلاثة أشهر في القصيدة الواحدة أغلب الجرائد يشرف على صفحاتها الثقافيّة أشخاص شبه أميين، لا يفرّقون بين القصة والقصيدة والرسالة والكتابة التي تشبه الأدب ناهيك عن الأخطاء المطبعيّه والإخراج الرديء لذا لا أجرؤ كثيرا على المغامرة بنشر قصائدي طبعا أنشر حين أضمن بعض الشّروط الضروريّة. لقد نشرت قصائدا في جرائد مختلفة.

الخبر: أغلب الشّعراء الذين ذكرتهم يعيشون خارج العاصمه هل تلتقي بهم؟

لاعمار مرياش: بعضهم أصدقائي فهؤلاء ألتقي بهم كما يلتقي الأصدقاء. في “القصيدة” المجلة الشّعريّة ألتقي بالشّعراء الذين أحترمهم. نلتقي أيضا في بعض الامسيات والملتقيات لكن الأهم أن نلتقي كفاعليات في المجال الثقافيّ. هنا المشكلة بالنسبه لنا كشعراء بعضهم لا تسمح ظروفه….. حتى لم أراهما منذ سنوات.

الخبر: هذا الوضع يجعل منك الشّاعر المنفي في وطنه ألذلك تفكّر في الهجرة؟

لا اعمارمرياش: إذا صحّ التّعبير فأنا مشرّد في وطني كإنسان لا أملك حتى شبرا للإقامة في وطن مساحته أكثر من مليونين كيلومتر مربع. إنّني أشبه إلى حدّ كبير البدو الرّحل في تنقلاتي اليوميّة. ومشرد كشاعر إذا اِعتبرنا ظروف العمل الثقافيّ.

الخبر: لكن إذا نظرنا إلى الجوائز التي تحصّلت عليها خاصة الجائزة المغاربيّة في السّنة الماضية، هناك اِعتراف بك أي إنّك لست منفيا؟

عمار مرياش: لا أحد يستطيع نفيي خارج الشّعر إذا كنت شاعرا. الجائزة تقدير للشّاعر الجزائريّ في شخصي. انا لم أتحدّث عن عالم الشّعر في المطلق تحدّثت عن وضعيه العمل الثّقافيّ في الجزائر، وعن وضعيتي كمواطن ثم إن الجائزة تمنحها جمعية تعاني هي الأخرى من وضعية القطاع.

بالخبر: لماذا لا تتغنى بالوطن؟

عمار مرياش: لا أعتقد أنّ على الشّاعرأن يتغنى. قد يغنّي (لـ…) وقد يغني (ال…) وقد يكون وطن الشّاعر الفكرة أو اللّغة أو القضية أو المرأة أوالهاجس أو ما لا أعرف، ثم إنّ التّغني بالوطن شعريا لا يعني إعادة كتابة الجزائر بشكل خطيٍّ آخر. أحسن ما يقدّمه الشّاعر لوطنه هو أن يذهب في المستقبل وفي الجغرافيا. أن يخلد وتتداوله مختلف ثقافات العالم يكفي أن ينبهر قارئ ما في مكان ما من العالم في زمن ما بشعر جزائريّ هذا أكبر خدمة يقدّمها الشّاعر كشاعر لوطنه.

الخبر: أن أقول لك قاوم في وطنك؟

عمار مرياش: وماذا افعل أنا منذ وجدت أعتبر نفسي مجاهد، لكن في حالات الإرهاق الكثيرة أشعر كأنّني كمن يحارب الأشباح بالرّماح. في الأساطير القديمة كان الأبطال يصارعون الآلهة، لكن لم نقأا عن أحد صارع الفوضى والتّخلف والفساد والمؤسسات والعادات والقوانين والبشر السيئين.نحن محكوم علينا بهذا الصراع ما دمنا في هذا الوطن. لكنّني أعرف أنّ الشّاعر عندنا قد ينتهي إلى الاِنتحار مثل عبد الله بوخالفة وإلى التّسول مثل اِبن رحمون أو إلى تلقي منحة من فنلندا كمحمد ديب أو إلى الإقامة في الخارج مثل مفدي زكريا. أنا أؤمن بالنّضال، أؤمن بالمقاومة أومن بالتّضحية لكن لا أرضى بتقديم نفسي قربانا لطواحين التّخلف هكذا لوجه التّخلف.

الخبر: أنت تعيش يأسا كبيرا؟

لا عمارمرياش: أنا أشتغل في مؤسسة بشكل عادي، أعمل في الجاحظية متطوّعا مع مجموعة من المثقّفين. أعمل أيضا مع مجموعة من المثقّفين المبدعين على الاِلتقاء في شكل تنظيميّ يسمح بخلق مناخ وشروط وقواعد العمل الثّقافيّ ويوحّد الجهود الكفيلة بتحقيق جزائر مستقبلية مشعة. بعد ذلك أكتب وأناقش وألعب وأتسوّق وأتسلى بشكل طبيعيّ، محاولا خلق الفرح بعد ذلك لا أخفي رأسي في الرمل ولا أهرب من الواقع المزري أنا أتحدّث بموضوعيّة لا بعاطفة.

الخبر: يعني هناك أمل؟

لا اعمار مرياش هناك أمل كبير وآثاره أكبر لكن هناك أيضا بالمقابل عراقيل وعتبات كثيرة. رائع لو كانت العراقيل ثقافية لكن لا أن تعمل على تحقيق مشروع ثقافيّ في الجزائر معناه أن تواجه التّاريخ والمستقبل، التّخلف والغزو الثقافيّ كلّنا يحلم بجزائر مستقبليّة رائعة ويعمل على تحقيق ذلك لكن من يملك الجرأة على مواجهة ذاته بموضوعيّة وتجاوزها باستمرار، إن لم يكن المبدع أولا؟

الخبر: تصوّر أنّ “الشّاعر مرياش” رحل إلى مكان آخر هل سيأخذ مكانه شاعر آخر؟

عمار مرياش: كلّ شاعر يأخذ مكانه الطّبيعيّ في الثّقافه. والتّاريخ يخلق مكانه، بوخالفة رحمه الله من أخذ مكانه لا أحد. آخرون كثيرون أحياء يكتبون منذ عشرات السّنين لم يأخذوا حتى أمكنتهم. الشّاعر يخلق مكانه لا يأخذ مكان أيّ شاعر آخر. أتحدّث عن المكان الثّقافيّ طبعا. المكانة والفاعلية.

من هو عمار مرياش
من مواليد 1964/10/08بالأربعاء
ليسانس في التّخطيط -جامعة الجزائر
الجائزة الأولى -لجنة الحفلات 84- 86
الجائزه الأولى مجلة الوحدة 84- 86
جائزة مفدي زكرياء المغاربية والجائزة الثانية الجاحظية 1991
ينشر في بعض الجرائد والمجلات الجزائريّة والعربيّة منذ 1983
محمد الزاوي يحاور عمار مرياش للخبر
محمد الزاوي يحاور عمار مرياش للخبر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *