حاوره مهدي ضربان للشروق الثقافي
الشّاعر عمار مرياش للشروق الثقافيّ
كلّ الذين كتبوا عنّي أسقطوا ذواتهم على نصوص لا غير
عندما أخبرته بأنّني أنوي محاورته اِستحسن الفكرة وأوحى لي بأنّه ليس من أولئك الباحثين عن بريق الشهرة أو المولعين بهاجس الأوتوغراف اِستحسنت بدوري هذه البساطة وتركنا تاريخ الحوار للأيام.. وجاء اليوم الذي أزحنا عن طقوس الموعد المحدّد.. عندها أجابنا الشّاعر عمار مرياش باعترافه عن رؤى عاديه لم يقلها من قبل.. أراء أجابت عن كوامن ذات مبدعه.. لم تنسحب.. جاهرت بالبقاء رغم اِهتراءات ثقافه أصيبت بمرض فقدان المناعة
بدايتك في النشر كيف كانت ؟
لا افهم شيئا عندما أتذكر بداياتي
هل تعتقد أن معاهد الأدب تخرّج أدباء؟
الشروق الثقافيّ: أنت الدارس للاقتصاد (تخصّص تخطيط) كيف اِقتحمت مملكة الشِّعر؟
عمار مرياش: منذ ما أذكر وأنا أجيب على مختلف الأسئلة التي يطرحها الأساتذة وفي كلّ المجالات. 17 سنه قضيتها في الإجابة على أسئلتهم وبامتياز والشّهادات المدرسيّة تؤكد ذلك من يجيبني أنا على أسئلتي أنا.. من أنا، أين أسكن، ماذا أشتغل أسئلة بسيطة كما ترى ولكن لا أحد يستطيع الإجابة عنها ثم هل تعتقد أن معاهد الأدب تخرّج الأدباء أدباء؟ الأدباء يظهرون حيث يجب..
الشروق الثقافيّ: كنت أقصد كيف تشكّلت لمرياش أدوات وعناصر الشِّعر؟
عمار مرياش: لا شيء مرهون بالصدفة كلّ عمل جاد وراءه تعلّم واِجتهاد وتجريب قد يرث الفلاح منجلا، والحداد مطرقة، ولكن هذا لا يكفي يجب الممارسة والتّجريب والابتكار، حتى الشّاعر العربيّ لا يرث سوى أحزان القبائل وثأرها الأبديّ ويجد نفسه في كلّ لحظة مسؤولا عن كلّ شيء.. هذا خطأ، ليتعلّم الشّاعر كيف يكتب قصيدته هو بشكل جيّد، هذه أكبر خدمه يقدّمها لثقافه أمته.
الشّروق الثقافيّ: يبدو أنّك غير منزعج من واقعنا الثقافيّ السّاكن؟
عمار مرياش: أنا لا أكلّف نفسي عبء الإجابة على أسئلة خطأ، أحب لغتي وتاريخي وشعبي وأتفق مع نفسي وأؤدي مهمه بسيطة في الحياة بشكل جيّد.. بعد هذا ثمَّ ما يزعج الجميع وما يزعج الجميع لا يزعجني أكثر من الجميع أنا أكتب باستمرار وأقيم أمسيات وندوات وأشارك في المسابقات الشّهريّة في لجان التّحكيم أحيانا وطبعت كتابا.. هل واقعي الثّقافيّ ساكن..؟؟
لا أطمح إلى محو الأمية ولا إلى جعل الحجارة حسّاسة..
الشروق الثقافيّ: ولكنك قلت لي يوما إنّك ما زلت لم تتصور “لبروتوتيب” إنسان جزائريّ بالمعنى السّلوكيّ.. ألم تكن تعني، أنّ واقعنا ولا أقول الواقع الثّقافيّ ما زال لم يتشكّل بعد؟
عمار مرياش: الجزائريّ عاش عصورا من المواجهة مع الأغوال والجفاف والغزو.. قاوم كلّ المعتدين ولا يزال… الجزائر شاسعة وعريقة واللحظة نفسها تجمع كلّ الأزمنة وكلّ مناخات المحراث الخشبي وآلة الحصاد، التمائم والعقول الإلكترونيّة، الكهوف وناطحات السّحاب..
الشروق الثقافيّ: أنت لا تحاول صناعه المستقبل برموز مرياش هل تنتظر من الغموض والطوباويّة تحقيق هذا المسعى؟
عمار مرياش: سؤال جميل للغاية ولكن للقارئ مستويات وأذواق، أنا لا أطمح إلى محو الأمية ولا إلى جعل الحجارة حسّاسة جدا وعاطفية، أنا أتعامل مع قرّاء يملكون على الأقل مستوى ثقافيّا يمكّنهم من الاتّصال معي ويملكون شيئا من الذوق الجماليّ…في هذا المستوى لست غامضا ولست طوباويا.. وبقدر ما أطمح إلى كتابة قصيدة معياريّة « Standard » يستطيع القارئ أن يجد فيها نفسه مهما كان مستواه، بقدر ما أطمع إلى كتابة قصيده تغزو العالم الذي يغزونا باستمرار وهنا الإشكاليّة..
الشروق الثقافيّ: لم تطبع من مجموعتك سوى 5000 نسخه لماذا كلّ هذا الحصار الرقميّ؟
عمار مرياش: أنا أؤمن أن للإنسان هويّات مختلفة ولا أدعي أنّني أكتب للجميع لأنّ القرّاء هم في النهاية طبقه معيّنه، وهؤلاء لا يقرؤون كلهم الشِّعر، وهذا بديهيّ.. لذا أعتقد أن طبع خمسة آلاف نسخة للقارئ الجزائري رقم معتبر، ويمكن اِعتباره مغامرة بالنسبة لشاعر ينشر لأوّل مرّة.
أنا أؤمن بالهويّة الأدبيّة للنّص..
الشروق الثقافيّ: جاء كتابك ضمن سلسلة المعنى بلا معلومات بيانيّة، فلولا تاريخ القصائد ومكان كتابتها لما عرف القارئ من أيّ بلاد صدرت، هل هي الكتابة المُخترِقة للإقليميّة أم هروب من أسوار القطريّة الضيّقة؟
عمار مرياش: أنا أؤمن بالهويّة الأدبيّة للنّص، لا مبرّر للنّص خارجه، أؤمن بالنّص الذي يحمل زمانه ومكانه ومبدعه في ثناياه، لأن اللّغة والبناء والفكرة عناصر ليست حيّادية تجاه الذات والتّاريخ والجغرافيا، ثم إنّ شعار “صنع في الجزائر” لا تعني جزائريّة المنتوج، فالوطنيّة عندي مستوى متقدّم من الاِبتكار والجودة بما يضمن الخصائص المحليّة والقدرة على المنافسة العالمية.. والأدب الحقيقيّ لا يخضع للحدود والاِتّجاهات الشّكلية والجغرافيّة والزمنيّة وهو فوق ذلك يحمل بيئته.. يحمل راهنه وماضيه وأحلامه وبدون “جينريك” لاحظ أنّني لم أكتب لفظة شعر على غلاف المجموعة أيضا..
الشروق الثقافيّ: في مجموعاتك “اِكتشاف العادي” طرحتَ قضايا ورؤى شعريّة تنحى إلى الفلسفة الوجودية والحكمة بالرمز هل هي إجابة على هواجس ذات مضطربة أم نوع من إخماد لواقع الكدر؟
عمار مرياش: في السّؤال ملاحظات ذكيّة جدّا، ولكنّها مصاغه في إشكاليّة مفترضة، السّؤال الحقيقيّ هنا يقع بين الوجودية والحكمة… لا أعرف كيف أسمي هذه المنطقة ولكنّني أؤمن أنّ الشّاعر فيلسوف وحكيم، فيلسوف لصناعة الحكمة لا لاِستعاراتها لذا لو قرأتم الكتاب بتأنٍ أكثر لاكتشفتم أنّني لست وجوديا ولست حكيما إنّما شيء آخر، لقد اِشتغلت لإلغاء المسافات، المسافة بين الألفاظ، المسافة بين الشِّاعر واللّغة، المسافة بين الحياة واللّغة، المسافة بين اللّغة والزّمن الشِّعريّ… واِشتغلت أيضا على مستوى العلاقات، أنا أنت والآخر وقت ضائع،،، العلم عندي بسيط للغاية ويمكن الاِشتغال عليه على الذات وعلى اللّغة فالإنسان يستطيع تطوير نفسه باستمرار وتطوير العالم..
أنا لم أقترف بعد أيّة جريمة
الشروق الثقافيّ: الناقد سهيل الخالدي قال: إنّك اِخترت الطريق الأصعب في الشِّعر وفي الفلسفة؟
عمار مرياش: تستطيع القول أنّني اِخترت الطريق الأجدى في الحياة… طريق الوضوح والبساطة والصدق، أمّا بخصوص الكُتّاب، فأنا أعتقد أنّ كلّ الذين كتبوا عنّي أسقطوا ذواتهم على نصوصي لا غير.. الحكيم يرى فيه الحكمة… والفيلسوف يرى فيه الفلسفة.. “وأنّه حيثما كانت العين كيفما ترى”… اِكتشاف العادي طرح واضح ولكنه ليس مألوفا… لأنّ العادي صار بحاجه لاِكتشاف زمن اِستثنائيّ طارئ دائم. القصائد بدون أغراض تقليديّة، وبدون مرجعيّة تقليديّة وببناء جديد ولغة جديدة..
الشروق الثقافيّ: ولكنّك في دفة “اِكتشاف العادي” تحاول فرض نفسك على الواقع. هل أنت واعٍ بخطورة هذا المسلك؟
عمار مرياش: الخطورة في الكذب أنا لم أقترف بعد أيّة جريمة لقد حاولت فقط نقل الشِّعر من موقع الاستجابة إلى موقع المؤثر، وإذ ذاك فعلى قدر التّأثير تكون الاِستجابة، وعن طبيعة النّفس يكون اِتّجاه التّأويل، لقد أُقنع الشّاعر العربيّ أنّه مرآة عصره، والمرآة تعكس لا غير، إذ يكون العصر رديئا، كما يقولون، تكون صورته رديئة.. لكنّ لا، العصر ليس رديئا. الشّاعر لم يعد مرآة عصره، لأنّ ثمَّ سينما ومسرح تلفزيون وجرائد ونقابات وجمعيات وأحزاب… ومن حقّ الشّاعر أن يبتكر معناه الجديد، لا أن يستمر في كونه صدى للآخر الذي هو غير شعريّ..
الشروق الثقافيّ: في قصيده طقوس العشيرة أدخلتنا في البساطة الشِّعريّة.. أهي الحاجة للرمز أم هو نوع من التّأسيس للحداثة الشِّعريّة؟
عمار مرياش: تقوم هذه القصيدة على مشهدين للسّلوك الجماعيّ تجاه الفرد (حالة العرس وحاله المأتم) وبلا أحكام قيمة، مهمّة الراوي تنتهي عند طرح الإشكاليّة بشكل سليم… لينتهي الفرد إلى الخروج من موقع الموصوف إلى موقع الفاعل بصورة مستقلّة عن الراوي. في اِعتقادي طقوس العشيرة محاوله لبناء قصيدة عربية راهنة تستجيب لاِحتياجات القارئ في هذه المرحلة ولا أقول قصيدة حداثية لأنّني لا أعرف ماذا حداثة الراهن.
لا افهم شيئا عندما أتذكر بداياتي
أحسد ناصر فرغلي لأنّه تمكّن من قراءتي ولم أتمكّن من قراءته
الشروق الثقافيّ: شاعر “ما بعد الحداثة” ناصر فرغلي صرّح للشروق الثّقافيّ بأنّه متحمّس إلى أشعارك في تصوّركم كيف وصل إلى هذا الحكم؟
عمار مرياش: أنا أحسد ناصر فرغلي لأنّه تمكن من قراءتي ولم أتمكن من قراءته عموما حواركم معه أعجبني وأتصوّر أنّه شاعر جيّد ويعرف ماذا يفعل بالضّبط.. فالمستقبل للبساطة، أو إذا شئت للإنسان العادي، فحين يسقط جدار برلين يسقط السّوبرمان بالضرورة.. تحياتي إلى ناصر فرغلي… وحين أتمكّن من الحصول على عنوانه أراسله وأقرأ له..
الشروق الثّقافيّ: ولكن ناصر فرغلي قال كلاما خطيرا حول القصيدة الجزائريّة بعد 1999 هل توافقه الرأي؟
عمار مرياش: رأي ناصر فرغلي جاء إجابة على سؤال يخصّ القصيدة الجزائريّة فكان كذلك نعتقد أنّ القصيدة العربيّة عموما في أزمة من جميع النواحي: اللّغة، والبناء والمواضيع، وحتى تقنيات الكتابة، فهي لا تزال تُبنى على رفض الماضي أو تمجيده بالتّداعي المبهم أو بالشّعارات الجوفاء.. حتى الراهن مرفوض من طرف ذلك البطل البائس الذي يسب نفسه وشعبه وعصره الرديء (البطل الذي يميز الأدب العربيّ الراهن) بقصائد ملحميّة وإيقاع صاخب مرفوق عادة ببكاء الشّاعر على المنصة واِستجداء تصفيق الجمهور.. أو اللامبالاة تجاهه بصورة مطلقة. العلاقة هنا غير عادية وتكرّس البؤس والشّعور باللاجدوى والضياع، وهذه خطوة على طريق اِنقراض الثّقافة العربيّة وبالتالي الإنسان العربّي.. كارثة حين يهرب الشّاعر من ذاته ومن شعبه ومن عصره، فهذا يعني أنّ الثّقافة أصيبت بمرض فقدان المناعة ولكن هناك بروز اِتّجاهات جديدة في القصيدة العربية وناصر فرغلي أحد الأدلة..
الشروق الثّقافيّ: حقيقة، إنّك تجاهر –مشكورا- بعدم الاِنسحاب من الموقع الثّقافيّ.. كيف إذا ستكون أيامك الشِّعرية اللاحقة بإذن الله.
عمار مرياش: لقد اِشتغلت دائما بشكل عادي.. وعشت كذلك، لم أحمّل نفسي أكثر من طاقتي ولم أتقاعس، لأن الشِّعر مَهمَّة حضاريّة اِخترتها بمحض إرادتي، ولذلك أعدك أنّني سأبقى عاديا جدا وأشكرك على هذه اللّحظة الممتعة.
حاوره المهدي ضربان
