تيمة الموت في الشعر الجزائري المعاصر
تيمة الموت في الشعر الجزائري المعاصرpdf
أ/أحمد قيطون
جامعة قاصدي مرباح ورقلة –الجزائر
الملخص:
تعالج هذه المقالة تيمة الموت في الشعر الجزائري المعاصر، التي شكلت هاجسا لدى الشعراء الجزائريين على مختلف انتماءاتهم و توجهاتهم الفكرية. وكيف كان تعاملهم معها تعاملا رمزيا؟ وكيف تجلت في نصوصهم؟ و ما القراءات المتنوعة للذات و العالم و الوجود انطلاقا من الخلفيات المعرفية لكل شاعر.
Résumé:
Le présent article aborde le thème de la mort dans la poésie algérienne contemporaine ce thème a fait l’objet central de nombreuses écritures des poètes algériens malgré la diversité de leurs appartenances idéologiques.
Dans ce carde, on dévoile l’aspect symbolique qui caractérise leurs poèmes et ses multiples manifestations pour s’interroger sur les lectures du soi, du monde et de l’existence à partir des présupposés cognitifs de chaque poète.
الموت،هذه اللفظة التي شكلت جوهر اهتمام الإنسان منذ أن بدأ يعي وجوده، فطرح الكثير من الأسئلة حولها . وهذا ما وجدناه في الأساطير، إذ في معظمها تناقش هذه الحقيقة ،وذلك من خلال البحث عن أشكال جديدة يقاوم بها الإنسان موته، فمرة يكون بالعلاقات الإنسانية كالحب وغيرها من العلاقات، ومرة بالحروب دفاعا عن نفسه وعما يحيط به من مخاطر.
لقد شغل الموت حيزا كبيرا من تفكير الانسان، بل كل تفكير الإنسان إذ كل السلوكيات التي يقوم بها، إنما هي في أساسها سلوكيات المراد منها، التغلب على حتمية الموت ولو بشكل ظاهري، فهي من الطقوس التي كان الانسان الأول يقوم بها كتعويذة من التعاويذ يقي بها نفسه من النهاية التي لم يدرك سرها حتى الآن.
فالموت– هذه الحقيقة التي لم تختلف حولها آراء البشر- هو المكون الأساسي للوجود، إذ لا حياة بدون موت. ولكن الذي حير الانسان بعد ما وعى هذه الظاهرة، هو سؤال: ماذا يعني أن يموت الانسان، هل هي نهايته؟ وإن كانت كلمة نهاية لا يقصد بها الموت إذا ليست من جنس اللفظة التي اشتقت منها لفظة موت، أم هو نهاية في عالم محدود وانتقال إلى عالم آخر.
إن هذه الأسئلة كلها كما يقول الباحث أحمد بوساحة تحتاج إلى إعادة النظر في المفاهيم المتعلقة بالموت”وحين نقول هذا فنحن لا نقصد الموت في حد ذاته كظاهرة بيولوجية، بل
هذه المراسيم التي كأن الإنسان الأول يستعملها كغطاء حتى لا يزعج الآلهة، ويبقى حيا لوقت طويل”فالإنسان البدائي الذي ابتكر أساطير الفينيق وعشتار وتموز وغيرها، إنما فعل ذلك ليؤمن لنفسه الخلاص من نهاية محتومة يتجاوزها للعودة إلى الحياة”[i] وما ملحمة جلجامش بمثال بعيد عنا، إذ تمثل في محتواها الأصلي، البحث عن الخلود ومحاولة الإجابة عن سر الموت، ومن خلال تجربة وقعت للبطل جلجامش، وهي موت إنسان عزيز عليه وهو أنكيدوا”إذا مات قبله كثيرون، لكن البطل لم يول لهم انتباها، لهذا قرر أن يبحث عن كيف يخلد الإنسان؟ وكيف يحقق الإنسان وجوده؟ إذ ماذا يعني تجربة الموت؟.هل هو تحلل الأعضاء فقط في التراب؟أم أن المسألة متعلقة برمزية أخرى؟
فجلجامش حين قرر خوض مغامرة البحث عن عشبة الخلود، لم يكن ليخرج في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، لولا إدراكه ووعيه الكبير بخطورة الموت كظاهرة تقضي على شبكة العلاقات الانسانية المكونة للوجود الانساني، وبالتالي ليس الخوف من الموت هو الذي يحرك البطل، بل الخوف من تمزق النسيج، وهذا ما يشتغل الشعراء عليه في نصوصهم، وهو ما سنبينه لا حقا. من خلال مجموعة من الشعراء الذين كتبوا عن الموت الرمزي.
لقد فهم الكثير هذه النظرة الرمزية للموت، ومنهم الفيلسوف جيمس كارس من خلال مؤلفه “الموت والوجود” إذ يقول في مقطع منه”فكما أن موت شخص ما ليس هو موت كيان عضوي فإن حياة الشخص ليست هي أيضا مجرد ظاهرة عضوية، فلكي نكون أشخاصا لا بد من أن نوجد فيما سنشير إليه حاليا من أنه نسيج من العلاقات مع أشخاص آخرين، ولاشك أنه إذا كان هدفنا أن نطيل من حيواتنا عضويا فإن من الممكن لنا أن نحقق في سبيل ذلك نتائج باهرة لو أغلقنا على الأشخاص في بيئة خالية تماما من الميكروبات وراقبنا بدقة كل العمليات الحيوية وأمددناهم بطعام ذو أعلى قيمة غدائية ممكنة، ولكن هذا كله ليس ما نعنيه بالوجود الانساني، فإن هذا كله قد يضمن بقاء واتصال البدن الطبيعي على حساب اتصال وبقاء الشخص”[ii].
بهذا الشاهد الطويل حاولنا أن نبرز أن الانسان يكون انسانا من حيث علاقاته داخل هذا الوجود، وليس من حيث هو انسان فردي، فالبطل جلجامش عندما عثر على عشبة الخلود، لم يفكر في خلود نفسه فقط، بل فكر بانسان يعيش داخل وسط اجتماعي فقرر أن يشرك شعبه في أكل هذه العشبة ليخلدوا جميعا كما الآلهة تخلد.
“وعلى هذا فلابد أن يفهم الموت أولا أساسا على أنه تقطع هذا النسيج من العلاقات بين الأشخاص، وعن هذا الطريق يصبح الموت هاما للتجربة فالذي نجربه أوغارسه على أنه الموت ليس هو مجرد موت الآخر، ولكن التمزق المفاجئ لهذا النسيج الهش للوجود”[iii].
وهذا الفهم الأخير هو الذي يشغل تفكير الشعراء سواد القدامى أو المحدثين وهو ما سنراه عند تطرقنا للموت في العصور التي خلت وصولا إلى العصر الحديث، وكيف نظر الإنسان/الشاعر الحديث إلى الموت؟ هل غير نظرته بتغيير ظروف الحياة أم أبقى على نظرة القدامى التي ورثها عبر الأجيال.
لقد جاء في لغة العرب في مادة موت: عن الأزهر عن الليث، الموت خلق من خلق الله تعالى، غيره: الموت والموتان ضد الحياة والموات، بالضم: الموت.مات يموت موتا، ويمات، الأخيرة طائية”[iv]. لقد اتفقت جل المعاجم العربية على أن الموت ضد الحياة، وان كان هذا التعريف هو قريب جدا من التفسير الديني، نظرا للاعتبار القرآن الكريم أحد المصادر الهامة والكبيرة في وضع تعريفات المواد التي جاءت في المعاجم ومنها لسان العرب.
أما إذا تطرقنا إلى معرفة بعض المفاهيم المتعلقة بالموت كأصلها وكيف فهمت عند القدامى، فإننا سنتوه أكثر وندخل في مجالات واسعة لا يقدر هذا البحث في الخوض فيها، نظرا لاختصاره على جزء صغير جدا من هذه الظاهرة التي امتلأت بها نصوص الشعراء وعكست رؤاهم وفكرهم اتجاه الحياة.
1- أصل الموت
“لقد تعرضت الكثير من الأساطير إلى أصل الموت، وربطت ظهوره بارتكاب الانسان الأول أو الجماعة الأولى لخطأ يتعارض مع الأوامر والوصايا الإلهية. أو نتيجة سوء تقدير للاختيار بين الموت والخلود”[v]. هذا التفسير لم نجد له أصلا في القرآن الكريم، رغم أن تشابها في المضمون وقع، وهو الخطيئة، فجاءت القصة فيه مختلفة الأبعاد عن تلك الأساطير التي تقر بأن الانسان هو الذي اختار الموت، ولم يختر الخلود من خلال نقض النواهي.
فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى عن قصة آدم:
“وقلنا ياآدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا من منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليها إنه هو التواب الرحيم قلنا اهبطوا منها جميعا فإما أن يأتينكم مني هدى فمن تبع هدايا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون”[vi] .
إذن لم تشر الآيات إلى أن الإنسان هو المتسبب في فرض عقوبة الموت على الانسان كما أقرت بذلك النصوص الأسطورية القديمة، فالحقيقة المستفادة من الآيات هو أن الخلود حق مشروع للانسان كما أن الموت هو حق مشروع كذلك، إلا أن الأول يكون في السماء أي الجنة/النار والثاني يكون في الأرض.
2- الموت في الديانات السماوية:
2-1- اليهودية:” لقد طرحت التوراة مفهوم الموت مصدرا اختاره الانسان بنفسه قبل بداية الخليقة، فلسبب غير معلن بالضبط، اختار آدم شجرة المعرفة وترك شجرة الخلود.وهذا الاختيار كان مصدر سعي البشرية الحثيث في الدنيا، بحثا عن الحقيقة، وربما كان الموت هو العقوبة التي ترتبت على هذا الاختيار”[vii]
لم يختلف رأي التوراة عند اليهود عن تلك الأساطير الدينية القديمة التي نظرت إلى أن الموت شيء اختياري قد اختاره الانسان لنفسه كما أثر التصور اليهودي في نظرته للموت على الفكر الغربي بأكمله فأصة بعد الحادثة التي عرفت باسم المحرقة والتي غيرت التفكير اليهودي اتجاه الموت وجعلته يحكم أحكاما قاسية[viii]
إذ” ذهب الحاخامات إلى أنه إذا كان الرب قد أمتدح خلقه فمن ذا الذي يستطيع أن يذمه؟ والشر- أي الموت- إنما يحل بالعالم من خلال خطأ الإنسان، لقد خلق كي يحيا لا ليموت، فالرب منح الانسان شرارة الحياة، وقدر له العيش على الأرض التي أعدها له بل أنه حذره حول مالا ينبغي له أن يأتيه كي لا يسقط ضحية للموت ” وأما شجرة معرفة الخير و الشر فلا تأكل منها”[ix]
بهذا الفهم والتأويل للحاخامات لفكرة الموت، انطبع عند اليهود فكرة العقوبة الناجمة عن خطأ الانسان والتي يستحق من أجلها الموت.
2-2- المسيحية: إن الفكر المسيحي أخذ مفاهيمه عن الموت وآمن بها من خلال مقولات المسيح عن الموت أثناء حياته، كما كانت لرسائل يولس وإنجيل يوحنا والأناجيل المتوافقة دور كبير في تقنين المعتقد للمسيحية، إلا أن هذا لم يكن كافيا لإثبات كل مقولات الموت. فبالرغم من المواعظ التي كان يقوم بها القديس بولس، إلا أن الناس كانوا يسخرون منه عندما يسمعون كلاما ما يخلخل معتقداتهم التي ورثوها عن أبائهم.كقضية البعث إذ” يحدثنا سفر أعمال الرسل في الآية الثانية والثلاثين من الإصحاح السابع العشر بأنه حينما كان القديس بولس يعظ الناس في أثينا كان الجمهور يصغي باهتمام ولكن حينما أتى ذكر ” بعث الموتى ..سخر البعض منه”[x] .
وعليه فالموت عند المسحيين قد أخذ أبعادا مختلفة خاصة عند طرح جدلية الجسد والروح والتي أخذت نقاشات واسعة داخل التفكير المسيحي. خاصة بعد موت المسيح عليه السلام بالطريقة التي أقرتها كتبهم.
وهكذا “حينما يتحدث اللاهوتيون المسيحيون عن الموت، فإنهم يعطونه معنى ثلاثيا فهناك بادئ ذى بدء الموت الطبيعي الذي هو نهاية الحياة العضوية، ثم هناك” موت روحي” يعبر عنه وضع الانسانية خارج الايمان المسيحي، وهناك أخيرا “موت صوفي” وهو مشاركة في الحياة الإلهية التي تجري بالفعل من هذا الوجود الأرضي على رغم من الموت الطبيعي، وقد جعل السيد المسيح الوصول إليه ممكنا”[xi].
هي إذن بعض الأفكار المسيحية ونظرتهم للموت من خلال الأحداث التي وقعت لهم إبان المسيح عليه السلام.
2- 3- الإسلام: لقد أدى ظهور الإسلام إلى تغيير الكثير من الذهنيات والمعتقدات التي كانت سائرة في شبه الجزيرة العربية، والتي كانت تعد من المسلمات التي بني عليها الانسان العربي في تلك المرحلة حياته، كما اعترف الإسلام بالديانات التي سبقته والأنبياء الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه السلام،” “قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[xii].
كما انتقل الإسلام بالانسان من عالم الماديات المتمثل في الأصنام التي كان يصنعها بيده فيعبدها تارة ويأكلها تارة أخرى إن جاع – إلى العالم الروحي حيث الإيمان بالله إيمانا مطلقا.هذه العقيدة التي أراد الرسول صلى الله عليه ومسلم أن يزرعها في المسلمين: قبل أن يدخلهم في مجالات أخرى، فهو أراد أن يطمئن إى خلو قلوبهم من الشرك وبعدها يفتح لهم أفاقا أخرى تتصل بحياتهم وبالتشريعات المنظمة لهم.ومن القضايا التي أراد الإسلام أن يجيب عليها قضية الموت، والتي أعطاها أكبر اهتمام إذا نجد في كل سورة تذكير بالموت إما تصريحا أو تلميحا فقد جاء في قوله تعالى” اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. “[xiii]
تشير الآية الكريمة بوضوح تام إلى أن الخالق تعالى هو المتوفي وهو الأمر والناهي وحده لا شريك له، وهذا رد على تلك الأباطيل التي كانت منتشرة قبل ظهور الإسلام.
لقد أعطى الإسلام للحياة معنى من خلال جملة من الشرائع وحذر من الغلو في حب الحياة، وأمر بالعمل للآخرة التي يكون فيها دار القرار وفيها يخلد كل من عمل عملا صالحا ولم يشرك بالله” “وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[xiv] كما جعل الله لهذه الدنيا نهاية وأجلا محددا سلفا، لا يعلمه إلا هو، لذا فقد أقر الإسلام أن الموت هو حتمية لكل إنسان على وجه هذه الأرض” قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [xv].
كما تحدث القرآن الكريم عن الروح وجعلها أمرا إلهيا خاصا. لا أمر بشريا ” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا “[xvi].
وقال “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ “[xvii]
وقال أيضا ” ” فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [xviii].
وقال أيضا “. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ”[xix]
بهذه الآيات السالفة الذكر فإن الله تعالى قد ذكر عباده من جديد بعد الكتب السماوية التي أنزلها على أنبيائه، بالنهاية التي تنتظر كل انسان في هذه الدنيا وحتى لا يغتر فيها ولا يطغى. وجعل بالمقابل حياة أخرى، ليس في الأرض، بل في السماء وفي مكانين بارزين جعل التنافس عليها في الدار الدنيا، وهما الجنة والنار.
كما أن فكرة البعث بعد الموت واليوم الآخر من الحقائق التي أقربها الإسلام وجعل الخلود في الدار الآخرة للفريقين، أهل الخير وأهل الشر” وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[xx] “وقوله أيضا” “. وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[xxi]
هذا باختصار أهم أفكار الديانات السماوية عن الموت ،وكيف تصورته وجعلته أمرا لا مفر منه.
3- الموت في الشعر الحديث:
لم يكن الشاعر الحديث بعيدا عن تلك الأفكار التي طرحها من سبقوه، كفكرة الموت، وغيرها من الأفكار التي أقلقت الإنسان، بل واجه هذه الأفكار وأعطى موقفه منها، هذا الموقف الذي يتماشى وتجربته الشعورية والشعرية التي مر بهما.
فالشاعر الرومانسي مثلا تختلف رؤيته عن رؤية الشاعر الكلاسيكي، فإذا كان الموت في الكلاسيكية تعني النهاية، فقد “يغدو في الرومانسية منقذا من عذاب الحياة والجسد ومن شرورها، وقد صور الشعراء عالم ما بعد الموت على أنه الموعد المجهول الجميل، حيث يتخلص الإنسان من المفارقة المؤلمة بين طموحاته والصراع لتحقيقها، وحيث يكون في عالم لا صراع فيه ولا حقد ولا حسد ولا كراهية”[xxii]. هذه الرؤية الرومانسية للموت لا تختلف عن الرؤية الصوفية للموت، إذ كلاهما محاولة التخلص من الزمن المقيد والذي يشعر فيه الرومانسي والصوفي بضغط الحياة، والتحليق في العوالم السماوية حيث تصفو النفس، لذا نجد البعض منهم يسمى، الموت بالسفر أو الرحلة.
“والشاعر الرومانطيقي حين لا يقصد بالموت موتا فعليا، يعني بها الموت الرمزي أو الموت عن العالم الذي يفرضه عليه تعبده لفنه.. إنه الانطواء على الذات والرضا بجميع ألوان العذاب”[xxiii].
هذه المظاهر التي وصف بها الشاعر الرومانسي انعكست على شعره حيث التغيير على مستوى الشكل و الموضوع. فكان أن أبدع إيقاعا داخليا يتماشى والحالة التراجيدية التي يعيشها، مع معجم شعري تتنوع حقوله الدلالية، من ضياع وغربة إلى ألم وتحسر.
لقد علم الشاعر المعاصر بحقيقة الموت التي تلاحقه، هذه الحقيقة القابعة في عالمه الباطني، هذا العالم الذي يهزه ويقلقه كلما شعر بهذا الغريب الموت- يقترب منه إما بمرض أو بفقدان عزيز، لذا شكل القلق أهم ميزة في نصوص الموت عند الشعراء المعاصرين، فراح يبحث عن وسائل تنسيه أو تبعد عنه هذا القلق ولو للحظات، فكان منه أن اتخذ من الحب <<وسيلة شاغلة عن قلق الموت، و بها يقتل ديمومة القلق لأن هذه الموضوعةتبدد الزمن ولا تترك فراغا عند الشاعر للغرق في لجج القلق كذلك انكب الشاعر على بناء اللحظة، وجسدها، وخلق منها زمنا متكاملا عمل على استحلابه حتى آخر نأمة للابتعاد النفسي عن مواجهة القلق"[xxiv]. لقد تغيرت رؤىالشعراء واختلفت باختلاف توجهاتهم المذهبية والفكرية والعقدية. مما أدى إلى تنوع في الأفكار حتى في الأمة الواحدة، فلا عجب عندما نجد الشعراء العرب المسلمين، يقفون مرة أخرى حيارى من الموت، وكأنهم غرباء عن هذه الظاهرة التي فصل فيها القرآن، وهذا ماجعل بعض النقاد يرجعونهذا الموضوع إلى تأثر الشعراء العرب بشعراء الغرب، وهذا ما عناه الناقد محمود حمود بقوله"وتبقى معاناة شعراء الحداثة لقضية الموت معاناة مميزة، وإذا كانت جذور هذه المعاناة وافدة من الشعر الغربي، فإن الشاعر الحديث يصدر في استجابتهلها عن موقف ذاتي لا يمليه عليه إلا الذات نفسها، وقد حاول شعراؤنا المعاصرون أن يكونوا مخلصينلذواتهم، وعند ذاك اهتز أمامهم النظام الخارجي واهتزت القيم والمعايير التقليدية وثم تولدت مشاعر الغربة والضياع"[xxv] فهذه المشاعر ولدت للشاعر المعاصر الانكسارات الداخلية والتمزق الباطني، مما جعله يستشعر الزمن ويقف منه موقفا خاصا، إذ الزمن عند الجماعات البدائية، غير الزمن عند الجماعات المتحضرة، "فالزمن البدائي" ميثولوجي، أو شعائري أي أنه ربما كان منعدما، أما الزمن بالنسبة للمتحضر فإنه "تاريخي"لأنه شيء يمكن قياسه والتعامل معه"[xxvi]. لقد حاول الشاعر المعاصر أن يتخذ من لعبة تداخل الأزمنة مجالا لبلورة رؤيته الرمزية نحو الموت، فالماضي قد يغدو حاضرا، وقد يكون استشرافا للمستقبل. خاصة عند الشعراء الذين يعيشون المنفى بنوعيه الاضطراري والاختياري إذ " يصبح الموت ملازما للانفعال والتأمل في الشعر المعاصر لأنه ملازم للإحساس بالزمن فرديا وحضاريا، حيث العذاب الجسدي يتضامن مع الغياب الحضاري"[xxvii] 4- تجلي الموت في الشعر الجزائري المعاصر: كثيرة هي النصوص الشعرية الجزائرية المعاصرة التي اختبرت فضاء الموت فجاءت مثقله بعناصر الموت كالمرض والألم والحزن، والقلق الوجودي، والاغتراب والغربة. ففي ديوانه "مدارج العتمة" للشاعر حكيم ميلود ، والذي يعتبر صرخة باطنية في مواجهة الموت/ الظلام، إذ العنوان يحيل إلى عملية عكسية، فإذا كان التدرج يقصد به الصعود نحو الأعلى، فالشاعر جعل المدارج نحو العتمة، ومعروف عن العتمة ذلك الظلام الذي يأتي في آخر الليل ويكون قويا، لذا فالشاعر يريد أن يتوغل أكثر في المجاهل وفي الفضاءات التي تقلق الإنسانومنها الموت الذي يحاول الشاعر أن يلبس له أقنعة الآخرين من خلال رثاء من ماتوا من أصدقاء وأقرباء، وإن كان الشاعر يريد من خلال هذه التأبينيات أن يقترب أكثر من تجربة الموت باعتبارها الهاجس الذي يقلق أي إنسان، فيقول في نص "سيرة موت" الذي قسمه إلى مقاطع. بابي مفتوح وأنا قليل الصبر كلما داهمني الموت لجأت إلى تعاويذ الحبر وفراسة الأعضاء أتقرى ما يشبه المعجزة ولا أنجو[xxviii] هو قلق الموت يصيب الشاعر ويحوله إلى كائن يمارس طقوس التعاويذ مثلما كان يفعله أسلافه، إلا أن طريقة التعويذة تختلف في بعض الأشياء، فالشاعر يحتمي بالكتابة ضد هذا الذي يطل عليه دائما ويفجعه فذي "هي الكتابة، فضاء المتخيل والموت تكف عن أن تكون مجرد مكان للتعبير أو الوصف، ففيها و بها يترجم المرئي إلى لامرئي "غيب"[xxix]. ويستمر الشاعر في المقطع الأخير في وصف تلك الحالة التراجيدية التي يعيشها الشاعر مصدوما مذهولا، وهو يراقب رحيله عبر رحيل الآخرين الذين سلموا مفاتيح العمر لمالكها واختفوا في أحزان من أحبوهم. أريد قليلا من الوهم كي أسكن العمر دون سؤال عن الميتين وعمن مضى في غبار الحياة الكثيف أريد الذهول لأقدر أن أبدأ الدرب بعد انتحار الخيول وبعد اهتراء القدم بعد كل الندم أريد الجلوس إلى هدنتي مع هذا الرحيل لأسأل عن سبب واضح للألم وعن شرفتي للحوار مع العالم الآخر المنتظر[xxx] يبحث الشاعر حكيم ميلود عن استراحة مقاتل، حتى يستجمع قواه ليحاور العالم الآخر، هذا العالم الذي يتطلب صبرا كبيرا. فالشاعر يطلب قليلا من الوهم كي يغيب فيه قليلا، وكأننا به قد يئس من هذه الحياة، لذا يحاول أن يتصالح مع الموت من خلال الاقتراب منه ومحاورته، عله يخفف من وجله اليومي، الذي يرافقه كلما مر على جنازة، فهو الهدوء الذي يراه الشاعر مناسبا بعد متاعب الحداد، سيخفت بعد قليل صهيل الأقاصي وتهدأ صرخة هذا الرماد وتدخل في ليلها الروح مجروحة بطقوس الحداد لأن الذي أيقظ الشجو ذكرى تصب مع المطر الشتوي وتعزف لحن البعاد والذي مدى خيطا لسيدة في الأساطير طفل يشد الحكاية من أول البوح حتى اختلاجه هذا السواد...[xxxi] هي إذن تيمة الموت التي تتشكل بطرق رمزية محاولة التقليل من فجيعتها، وبداية الحوار الداخلي الذي ينفتح على الأسئلة الصعبة، أسئلة الماوراء التي تؤرق الشاعر، وتجعله في قلق دائم. لذا حاول أن يجعل الموت ملازما للحياة كما قال ريلكه في رسالة وجهها لهولويز "الموت هو هذا الجانب من الحياة الذي ليس متوجها نحونا، ولا مُضاء من طرفنا، علينا محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من الوعي الممكن بوجودنا الذي هو كائن بمسكنه في المملكتين اللامحدودتين معا، ويتغنى منهما بلا انقطاع"[xxxii] أما الشاعر نور الدين مبخوتي فنجده قد اتخذ من مجموعته سلاسل الورد" مجالا للحديث عن آلامه الدفينة، كالقلق والحسرة على كل جميل مضى من الأحباب، لذا نجد تيمة الموت تطل علينا من خلال هذه المجموعة، ومن وراء ألفاظ عديدة تحمل دلالات الموت في زمن كان المشهد الجزائري يمر بمأساوية، أثرت على الشاعر، مما جعل مجموعته الأولى يكثر فيها وصف الموت وبلفظة وجدناها أكثر انتشارا في المجموعة وهي "الدم"، التي تحدث عنها كثيرا المتصوفة، لارتباطها بالحادثة المشهورة، والتي فيها قتل المتصوف الحلاج"، الذي كان دمه ثمنا لأفكاره التي كان يزرعها بين الناس. فقيل أنه "صلى ركعتين قبل تنفيذ الحكم فيه وترك عبارة مأثورة قالها بعد صلاته: ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم"[xxxiii] والدم باعتباره الشيء الثمين الذي يسري داخل جسد الإنسان يصبح رمزا وقربانا للشيء الذي يؤمن به، فإذا كان الحلاج قد قدم حياته ثمنا لمعتقداته فالشاعر يكتب بالدم لا بالمداد هذا الألم الذي يعانيه. هذه الكتابة التي تنخرط في تجربة الكتابة بالدم وتحاول أن ترسم مسارا صادقا لانفعالات ذات الشاعر مع يومياته المؤجلة فرحها، فيقول في نصوص مختلفة شاهرا دمه كسيف في وجه الأزمة. قلت: هيا ادخليني مبكرة قبل أن تستفيق العصافير قبل أن يمطر الموت والعسس، الشتم في داخلي الحر قبل انبلاج النزيف المحني[xxxiv] يحاول الشاعر أن يرسم صورة لعالمين متناقضين، عالم الحياة والذي يمثله العصافير في حيويتها ونشاطها، وعالم الموت، وأي موت؟ إذا كان مثل المطر. فالشاعر من خلال هذا المقطع والذي هو مقتطع من نص "سورة العاشق المتجول"يحاول أن يلقى معشوقته قبل أن تنتبه الأشياء وينفضح أمره، ويتهم فيقتل، فهو العاشق الذي يحلم أن يحب في وطن كثر فيه القتل. هذا الحب الذي يقدم الشاعر دمه فداءا له، إذ هو في هذا المقام يتقاطع مع مقولة وحادثة الحلاج، فهو العاشق المتصوف الذي تُسَبِّح المعشوقة بدمه: لا هوادة في العشق حتى الفناء فليكن دمي سبحة في يديك[xxxv] كما نجد "الدم" كتجلي للموت في نصوص أخرى من المجموعة، والتي تحمل عنوان "سلاسل الورد" والذي كان من المفروض أن تكون نصوصه مليئة بالفرح والسعادة والحب، ولكنه أرادها هكذا على لغة العرب حين تريد أن تتفاءل خيرا، ففي بلاغة الهدهد كأول نص في المجموعة نجد حضور الدم: ويصير الدم هذا المرمر الإفريز مثوى للعصافير ويرتد المدى لي نجمتين[xxxvi] لم يكن الشاعر ليسمى نصه بعنوان "بلاغة الهدهد"والذي هو عنوان الديوان الذي يضم ثلاث مجموعات، تسميه اعتباطية بل فيه من القرائن ما يدل على أن الشاعر متحكم في فنيات الشعرية، وعلى معرفة واعية بأصول جماليات القول الشعري، وكيف ينبغي تقديمه على طبق للقارئ الذي يبحث عن دهشة الشعر وسحره فبين الهدهد والبلاغة علاقة لا ندركها بالقراءة التي تحتكم إلى منطق العقل بل نتذوقها بالقراءة التي تحتكم لمنطق المجاز والانزياح والخروقات في عالم الشعر. فالشاعر نور الدين مبخوتي أراد أن يكون مثل الهدهد، هذا الطائر الذي رأى ما لم يره أحد وأتى بالخبر الذي أدهش النبي سليمان، وكان سببا في تغيير معالم وأحداث كثيرة، ومنه فالشاعر يحاول أن تكون له هذه الرؤيا والتي تجعل كلامه الشعري يوصف بالبلاغة والبيان، التي تؤثر في القارئ وتجعله يحلق عاليا ليكشف أسرار الكون وبعيدا عن العالم الأرضي الذي أرهقته الضغوطات والانكسارات. كما نجد في نص تغريبة "حضور الدم" كدال على الموت. هنا خاتم الوقد في عرضات الدم المتورد ينبع[xxxvii] وفي القصيدة نفسها: فأي الملاءات سوف تقي الدم من كوثر الجمر[xxxviii] وفي نص مؤجل لما بعد الفتح": تململ فيها عريش أغسطس حصحص هذا المؤجل طست دم[xxxix] ويقول في نص الأعشى" أحاول قدر دمي أن أكاشفها[xl] وفي النص نفسه يقول: هذا دمي الحبل يحرث سفر الخسارة[xli] وفي النص الأخير "سورة العاشق المتجول" يقول: فليكن دمي سبحة في يديك وأشرعه لا تقاوم زحف الفصول[xlii] إن حضور الدم في مجموعة شعرية تظم تسع نصوص ، وبها ستة نصوص تلونت بلون الدم وتقدمت كقربان لشيء يريده الشاعر أن يكون سواء في حب مفقود أو في وطن مفجوع أو في عدل غائب، أو في غيره من أحلام ورؤى الشاعر التي هي أكبر من أن توصف ببلاغة طير <<وعلى هذا الأساس فإن للدم نسبا مع الشعر كما أن للشاعر بهذا المفهوم علاقة قرابة دموية مع قصائده التي تكشف عن سريرته، تلك القرابة تقتضي أن يحبر الشاعر الصادق شعره بدمه، ليخالف منطق كتابة الشعر بالمداد>>[xliii]، وهذا ما وجدناه مجسدا في ديوان الشاعر نور الدين مبخوتي الشاهد على المشاهد الجنائزية التي حولت الجزائر إلى رماد ينتظر خروج طائر الفينيق منه، حتى يبعث ويحي الجزائر من جديد.
وبلغة تراجيدية ترسم الشاعرة نادية نواصر أحزان الوطن وتبكي موت الأصدقاء الذين ضحوا في سبيل هذا الوطن، وتعلن موته في سبيل أن يحيا هذا الوطن، هذه الثنائية التي وجدت عند جل الشعراء المعاصرين، إذ فيما هم يقبلون على الموت، يريدون حياة أخرى، مليئة بالفرح والسعادة، فهذا هو قدر الشاعر الصادق، يتعذب ليسعد الآخرين.
ففي نص “لتربطوا الأحزمة فالوطن أجواؤه ممطرة، ومن خلال العنوان يتبين لنا أن الشاعرة في حالة سفر وترحال دائم في حلمها الذي عودت مخيلتها على رؤيته.
يا شهداء ثورة التحرير
الاعتياد صعب!
الاعتياد صعب!
والشعب والشعار والنداء…
والفزع المغروس في الشفاه…
والساقطون في الوطن حد النخاع…
والصارخون في العراء!
والهاتفون مثل شوق شوقهم
نموت ألف ميتة من أجل أن يحيا الوطن
يا وطن الأحبة![xliv]
بتأملنا للغة هذا النص نجد الشاعرة تعكس رؤيتها الشعرية من خلال جملة من الألفاظ تحمل حقلي دلالتي الموت والحياة، فالألفاظ في المقطع الأول شهداء، ثورة، الفزع، الساقطون كلها تحيل إلى الموت أو الاقتراب منه، أما دلالة الحياة فتمثلها الألفاظ الصارخون والهاتفون، يحيا الوطن.
ويعيد الشاعر عمارة بوجمعة “تفاصيل الحياة والموت من خلال ديوانه المركب عنوانه من لفظتين متضادتين “وردة الأهوال” فالورد في العرف اللغوي أو بعبارة أخرى في المعنى المعجمي البسيط هي الهواء النقي والسعادة والفرح والحب، أما الأهوال فتحيل إلى الفزع والقلق والموت.
وفي نص “ظلال” يستعيد الشاعر الجريمة الأولى التي وقعت على ال|أرض بين قابيل وهابيل، وهي الصورة التي أعاد تمثيلها الإنسان الجزائري، في مشهد أقل ما يقال عنه أنه مشهد العار والفضيحة.
والشاعر يؤرخ لهذه اللحظة التي مرت من حياته وأرقته:
ليل لقابيل
يئن الزوال بين أظافره
مرايا تذرو الغبار
نثار من عتمة
وغرابان
يطلان على صحراء
من حلكة
تجلو الجزع الراسخ
في أوردة الفتن
والحتوف[xlv]
وبإدراك واع وبلغة يقينية مباشرة يكتب الشاعر عمار مرياش موته الذي لا يخافه، إلا أننا من خلال المقاطع الثلاثة لنصه المعنون بـ أغنية- نجد الشاعر يؤمن بفكرة الخلود، لكن ليس الخلود الذي خرج من أجله جلجامش هذا الأخير الذي <<تورط في مغامرة لم تؤت أكلها، والشاعر متورط في تأمل المغامرة وتثبيت نتائجها[xlvi]. فالشاعر قد أخذ بالنتيجة النهائية لملحمة جلجامش ، حيث البطل يدرك أن الخلود، ليس الخلود بالجسد فقط، بل يمكن له أن يبقى خالدا في أوساط شعبة وذلك بالعمل فعاد البطل إلى مدينته وبنى الجسور وغيرها من مستلزمات الحياة، وبذلك خلده شعبه من بعد موته. وعليه فالشاعر عمار مرياش يسير على خطى جلجامش" حين نغادر هذا العالم لن ننسى فلنا أحباب في كل مكان ونقوش أسامينا بارزة فوق جذوع شجيرات الزيتون وفوق صخور تكجدة وأغانينا ستردد في الأفراح وفي أوقات الشدة حين نغادر هذا العالم لن ننسى وسيمشى خلف جنازتنا الأطفال فنحن لعبنا وستمشى الأشجار فنحن غرسنا[xlvii]
أما الشاعر “فاتح علاق”فقد رسم مشهدا تراجيديا من خلال اللغة التي وظفها والتي تحيل معانيها إلى الواقع المأساوي الذي عاشته الجزائر في العشرية الحمراء، والتي كان فيها الموت قاب قوسين أوأدني من كل فرد جزائري.
لذا وجدنا الشاعر يكرر ألفاظ معينة وهي الدالة على الموت لأن الفعل –فعل الموت- كان دائم التكرار في تلك المرحلة صباحا مساء فقد حقق الشاعر توازنا بين البناء التشكيلي للنص والواقع الذي يميزه القتل، قتل الأخ لأخيه، إذ يقول في نص “القلب يرسم دورته”.
ميت أنت فاختر مكانك بين الخشب!!
جثة للطريق هنا
جثة للشعاب هناك
جثة للشجر
جثة للنهر
لا وقت للروح
لا وقت للطين
فادخل إلى جثة واحتسب!!
هذا زمان الدم
قابيل يقتل هابيل
أوديب يقتل لاووس
فاهرب إلى جثة واحتجب!! [xlviii]
منذ السطر الأول يأتي الشاعر بالجملة الخبرية الابتدائية، حيث عمل على تقديم ما حقه التأخير إذ قدم لفظة ميت على ضمير أنت لما في هذا التقديم من دلالة تخدم رؤية الشاعر للواقع، فتأثير الواقع المحاصر بالموت من كل الجهات، جعله يقدم هذه اللفظة دون سواها.
كما أدى التكرار دورا كبيرا في تجلية دلالات النص، وذلك من خلال تكرار لفظة “جثة” تسع مرات، أما لفظة “موت”فقد كررها الشاعر ست مرات.
أما العناصر الأخرى التي ساعدت على إبراز دلالات النص فنجد التراث الذي وظفه الشاعر ليقول واقعه الذي أعاد الحادثة الأولى المتعلقة بجريمة قتل الإنسان للإنسان بل قتل الأخ لأخيه، وهو ماكان يحدث بالجزائر.
لقد استدعى الشاعر الرمز التاريخي، قابيل وهابيل في نصه ليتركه يعبر عن رؤيته، ويبقى هو الشاهد على هذه الفاجعة. وتزداد فجاعة عندما يقتل الابن أباه، من خلال الأسطورة اليونانية والتي وجد الشاعر أن حقيقتها لا تزال مستمرة في واقعنا المعاصر وفي وطننا العربي.
هو الموت حط على حبة القلب
والليل سيف يحط على الجيد أما تعب!!
انتظر طعنة من هنا
وانتظر طعنة من هناك
أطلق رصاصتك الآن أو فارتقب
قاتلا لا يراك
جثة للكلاب
جثة للذئاب
جثة للزهور
جثة للمطر
هي الأرض تنشق
والوقت ينشق
والعمر يهوي إلى حالق فانتصب
لا وقت للندب
لا وقت للتعزية
هي الأرض تسحبنا للبداية[xlix]
كثيرة هي النصوص التي وجدناها في دواوين الشعراء الجزائريين المعاصرين، والتي تروي تفاصيل الموت، إما موت الأقرباء أو الأصدقاء أو أي انسان، إلا أن هذا الموت لم يكن يعنيه الشاعر في حد ذاته ، بل كان الشاعر يقصد الموت الرمزي، الذي يتمظهر في كل شيء، في القيم والأخلاق والعلاقات الإنسانية.
لذا كان الشاعر يحس بالوحدة وباليتم والاغتراب والضياع ، لأنه يدرك جيدا ما معنى أن يموت الانسان، ليس فقط الموت العضوي للجسد، بل موت خلية من خلايا العلاقات الإنسانية التي تشكل هذا الوجود، ومنه فقضيته مع الموت قضية وجود.
[i] أحمد المعداوي،أزمة الحداثة في الحداثة في الشعر العربي الحديث، ص 173.
[ii] الموت و الوجود، ترجمة بدر الدين، المجلس الأعلى للثقافة مصر، المشروع القومي للترجمة رقم 29 سنة 1998 ص05.
[iii] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
[iv] ابن منظور، لسان العرب، مادة موت.
[v] أحمد بوساحة، حقيقة الموت في نظر الديانات ص 25.
[vi] سورة البقرة، الآيات 35/38.
[vii] وليد مشوح، الموت في الشعر العربي السوري المعاصر، إتحاد الكتاب العرب دمشق 1999،د.ط.ص71.
[viii] ينظر جيمس.ب.كارس الموت والوجود. ص217.
[ix] جاك شورون، الموت في الفكر الغربي، ترجمة: كامل يوسف حسين سلسلة عالم المعرفة الكويت، العدد 76 ، 1984ص94.
[x] المرجع نفسه، ص99.
[xi] أعمال الرسل، كورنثيوس 1، 15/51 57 نقلا عن وليد مشوح الموت في الشعر العربي السوري المعاصر، ص 73.
[xii] سورة البقرة ، الآية 136
[xiii] سورة الزمر الآية 42.
[xiv] سورة القصص، الآية 77
[xv] سورة الجمعة ، الآية 08
[xvi] سورة الإسراء ، الآية 85
[xvii] سورة الشورى ، الآية 52
[xviii] سورة مريم ، الآية 17
[xix] سورة ص ، الآية 72
[xx] سورة:البقرة ، الآية 39
[xxi] سورة البقرة ، الآية 82
[xxii] خليل موسى،الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر، ص 72، 73.
[xxiii] محمود حمود، الحداثة في الشعر العربي المعاصر. ص 294.
[xxiv] وليد مشوح، الموت في الشعر العربي السوري المعاصر، ص 125.
[xxv] محمود حمود- الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص 298.
[xxvi] احسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص83.
[xxvii] محمد بنيس، الشعر العربي الحديث، بنياته وابدالاتها الشعر المعاصر ص212.
[xxviii] ميلود حكيم، مدارج العتمة، منشورات البرزخ، الجزائر 2007، د ط، ص74.
[xxix] محمد بنيس،الشعر العربي الحديث، بنياته وابدالاتها ، ج3، ص 242.
[xxx] المصدر نفسه، ص 82.
[xxxi] المصدر السابق، ص 60.
[xxxii] محمد بنيس، الشعر العربي الحديث، ج3، ص 242.
[xxxiii] محمد بنعمارة،الصوفية في الشعر المغربي المعاصر، ص 130.
[xxxiv] نور الدين مبخوتي، بلاغة الهدهد، دار تيمقاد للنشر سيدي بلعباس الجزائر ط1/ 2008ص 23.
[xxxv] المصدر نفسه، ص 23.
[xxxvi] المصدر نفسه، ص11.
[xxxvii] المصدر السابق ص 17.
[xxxviii] المصدر السابق،ص 18.
[xxxix] المصدر السابق، ص19.
[xl] نفسه، ص21.
[xli] نفسه، ص22.
[xlii] نفسه، ص23.
[xliii] محمد بنعمارة، الصوفية في الشعر المغربي المعاصر، ص134.
[xliv] نادية نواصر، مهوات الريح، منشورات المكتبة الوطنية الجزائرية، ط1/ 2005، ص33- 34.
[xlv] عمارة بوجمعة، وردة الأهوال، منشورات Graphique scan، د.ط ، د.تن ص91.
[xlvi] وليد مشوح، الموت في الشعر العربي السوري المعاصرة، ص268.
[xlvii] عمار مرياش، اكتشاف العادي، الجمعية الوطنية للمبدعين ط1/ 1993، ص91- 92.
[xlviii] فاتح علاق آيات من كتاب السهو، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، د.ط، د.ت، ص59.
[xlix] المصدر السابق، ص60.
المصدر https://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-10-2011/710-2013-05-07-10-07-58