بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل محمود درويش
محمود درويش الجزائر
قال حمراوي حبيب شوقي في ندوة صحفيّة بقصر الثقافة في بداية التسعينيات وكان آنذاك وزيرا للثقافة : عمار مرياش محمود درويش الجزائر ، وقد هدف معالي الوزير بلا شك، إلى إبراز أهميّة الشّعر الجزائريّ المعاصر من خلال مقاربة عمار مرياش بمحمود درويش، إلّا أنّ هذا القول يعكس في الواقع الأهمية الكبيرة والمكانة الخاصة التي يحتلّها محمود درويش في الشّعر العربيّ وفي الثقافة العربيّة المعاصرة على العموم
أيقونة الشّعر العربيّ
في أوروبا، ينظر إلى محمود درويش كأيقونة الشّعر العربيّ المعاصر، ولا تعرف العامة شاعرا عربيّا آخر، وأغلبها لا تعرف له شيئا ولكنّها تبجّله، صحيح إنّ القضيّة الفلسطينيّة خدمت الشاعر إلى حدّ كبير، بل إنّ هذه القضيّة هي التي جعلت منه شاعرا عالميا على حساب شعراء فلسطينيين ليسوا قليلي القيمة أدبياّ مثل سميح القاسم، وشعراء عرب آخرين لم تتعدَّ سمعتهم بلدانهم أحيانا. ولكنّ محمود درويش خدم القضية أيضا من خلال شعره بل وخصّ معظم شعره لها، ومن خلالها وبها شارك، درويش بصورة متميزة في تحرير القصيدة العربيّة لا من البحور الخليليّة فحسب، بل ومن اِنغلاقها ومحلّيتها ونموذجيتها
شرعيّة القصيدة الحرّة
رموز عربيّة باهرة ساهمت منذ الأربعينيات في خلق وتطوير القصيدة العربيّة المعاصرة، من السّياب إلى أدونيس مرورا بنزار قباني والبياتي وغيرهما، ولكن ظلّت هذه القصيدة الجديدة تعمل باستمرار، على اِنتزاع شرعيتها الشّعبيّة والواسعة أيّ خارج الجامعات والمؤسّسات المختصة بصعوبة بالغة، و كان لا بدّ من ثورة وملحمة، كان لا بدّ من اِنتظار حصار بيروت وملحمة مديح الظلّ العالي لمحمود درويش لتنتزع القصيدة الحرّة شرعيّة شاعريتها بصفة نهائيّة
شاعر حقيقيّ ثوريّ عملاق
لقد اِستطاع محمود درويش _ حتى بعد أن تحوّل إلى رمز للثورة الفلسطينيّة _ أن يحافظ على اِستقلالية الشّعر عن الخطاب السياسيّ وبالتالي اِستطاع الحفاظ على نقاوة الفن، وأصالته، وحريته، ولم تنجح حتميّات المؤسسة وضروراتها من تحفيظه وتسويغه كمدوزن لخطابها ومقفٍ له، كما فعلت أغلب الثورات المعاصرة، ذلك إنّ محمود درويش شاعر عملاق ثوريّ ومجدّد وحرّ، يملك قدرة فائقة، وحساسية عالية ومهارة كبيرة في تصوير العادي والبسيط والشّعبيّ العميق والأصيل التراثيّ، والمستقبليّ العالميّ والمحليّ في آن بلغة شعريّة رائعة، ولعلي لا أذيع سرّا حين أقول إنّني شعرت حينما قرأت قصيدته خطبة الهنديّ الأحمر الأخيرة أن الهنود الحمر أجدادي حقا، بينما أحسست عندما قرأت الإلياذة من ترجمة البستاني، أحسست أنّها قصيدة لا علاقة لها بالعربيّة على الرغم من أنها موزونة ومقفاة.
درويش ليس شاعرا لثورة ولكنّه ثورة في الشّعر
أخيرا، لم أعرف درويش عن قرب، وليس من شعرائي المفضلين، ولكنّني أعرف أنّه حرّر الشّعريّة من القاموس وهذا عظيم في إعتقادي، اِلتقيته مرة واحدة حيث أجريت معه لقاءً قصيرا للإذاعة الجزائريّة، بدا لي خلالها قمة في التّعاظم والتّعالي ولكني أشعر الآن أنّ الرجل كان شاعر العادي بامتياز، وأشعر أنّ محمود درويش ليس شاعرا لثورة ولكنّه ثورة في الشّعر، وكان واع بهذا
وأنت تعد فطورك فـــكر بغيرك لا تنس قوت الـــــــحمام وأنت تخوض حروبك فـــــكّر بغيــرك لا تنــس من يطــلبون السّــــلام وأنت تســـدّد فاتــــورة الـماء فكـــّر بغيرك لا تنـــس من يرضعـــون الغــمام وأنت تعـود لبيـتك فـكرّ بغيـرك لا تنـس شعــب الخــيام وأنت تنـام وتحصي الكواكـب فكـّر بغـيرك ثمـة مـن لم يـجد حيـزاً للمنـام وأنـت تحرّر نفـسك بالاِسـتعارات فكّـر بغـيرك من فقــدوا حقـّهم في الكــلام وأنت تفكّر في الآخــرين البعــيدين فــكّر بنفـــسك قل ليتــني شمــعة في الــظلام!