صديقي…عمي الطاهر

صديقي…عمي الطاهر

كان سيحتفل بعيد ميلاده الرابع والسبعين يوم الأحد 15 أوت 2010 بمستشفى سانت أنطوان بباريس، حيث موعده مع الأطباء والأصدقاء، وكنت انتظره مع الصديق الصحفي محمد الزاوي قبل ذلك، واتصل بي فعلا محمد الزاوي ليخبرني ، لكن ليس بوصول « عمي الطاهر »  كما في المرة السابقة ولكن بلا مجيئه أصلا والى الأبد ، لقد اختار القدر هذه المرة طريق الوداع  للروائي الجزائري الكبير الطاهر وطار، يوم الخميس  12 أوت 2010 بالعاصمة الجزائرية الجزائر

مع أحمد فؤاد نجم

عمار مرياش والطاهر وطارلا أذكر متى تعرفت الى صاحب « البيريه والخيزرانة » الأديب الأكثر شهرة والأكثر جرأة في الجزائر،الأكثر صداقة والأكثر خصومة أيضا،  قدمني له أكثر من أديب : سليمان جوادي ، محمد الصالح حرز الله، أحمد حمدي وغيرهم ، قرأت له بعض قصائدي ولم يعلق عليها ، لم أعرف رأي الطاهر وطار  في كتاباتي،ولن أعرف رأيه فيها  إلا حين صدور ديواني اكتشاف العادي، ولكنني أحسست بمكانتي الأدبية لديه من خلال الطريقة التي قدمني بها للشاعر المصري أحمد فؤاد نجم ، لقد قدمني باعتزاز كبير وكأنه يقول للشاعر الضيف لدينا شعراء في الجزائر، طلب مني فؤاد نجم أن أقرأ له وأهداني ديوانه

بدأت قراءاتي له برواية « الحوات والقصر » واندهشت لروعة الرواية وعمقها وسحرها

أنا أقرا للمتعة والاكتشاف، لا أحب الكتابات المعقدة ولا اللغة المفرغة من كل دلالة، لذا أتعذب كثيرا حين أضطر الى قراءة عمل تحت ضغط حاجة ما ، يكفي أن افتح الكتاب على أي صفحة لأقرأ سطرا أو سطرين وأنا سأدرك هل العمل سيمتعني أم لا، لقد بدأت قراءاتي الأدبية بأعمال دانتي وهوميروس وبودلير فصار من الصعب علي تذوق أي عمل ،بل ثمة كتاب لديهم جوائز دولية صعب علي قراءة أعمالهم ، كنت مدمنا على قراءة أعمال توفيق الحكيم بنهم عندما اكتشفت الطاهر وطار، بدأت قراءاتي له برواية « الحوات والقصر » واندهشت لروعة الرواية وعمقها وسحرها، ورحت ارتب أعماله  تلقائيا الواحد تلو الآخر في نفس الرف الذي يحتوي على أحب الكتاب العرب إلي وأهمهم من وجهة نظري : توفيق الحكيم، محمد شكري، الطيب صالح، إبراهيم الكوني ، عبد الرحمن منيف وغيرهم، هكذا أكتشف –متأخرا ربما – الأب الفعلي للرواية الجزائرية العربية وأحد أهراماتها في الوطن العربي، كما أكتشف احد أهم المثقفين الجزائريين تأثيرا في الحياة الثقافية والسياسية والأكثر إثارة ودفعا للإشكاليات المعقدة والحساسة

الطاهر وطار

الطاهر وطار ألف ما يقارب العشرين كتابا بين رواية وقصة ومسرحية، أشهرها « اللاز ، الحوات والقصر، عرس بغل، العشق والموت في الزمن الحراشي، الشهداء يعودون هذا الأسبوع ، الزلزال،تجربة في العشق، وروايته الأخيرة : قصيد في التذلل عام 2010 »  ترجم بعضها الى عشرين لغة في العالم ، وتدرس أعماله في مختلف  جامعات المعمورة، كما أعدت حول أعماله أطروحات شتى . كرم بجائزة الشارقة لخدمة الثقافة العربية لعام 2005، وجائزة العويس للإنجاز الثقافي عام 2010. يعتبر طالب جامع الزيتونة 1956 نفسه علمانيا ويساريا ، كما يصف نفسه أب الرواية الجزائرية العربية بأنه كاتب هاو وليس محترفا ، وأنه مناضل سياسي ونقابي وثقافي  واجتماعي قبل أن يكون كاتبا ،وعلى عكس الكثير من الكتاب فإن وطار شخصية اجتماعية جدا جدا ،كما أنه شخصية قوية جدا ،مشاكس جدا ومرح وطيب،مهاب كخصم ويعتمد عليه كصديق، له ذوق فني راق هو الذي بقول عن نفسه أنه بدوي،الطاهر وطار جزائري منظم ، له رؤية واضحة ومخطط منهجي وكان يشتغل أكثر من 10 ساعات كل يوم وبدون انقطاع

الروائي الطاهر وطار رجل دولة بقلب شاعر ويدي مهندس بارع، رجل في المستوى كخصم وفي المستوى كصديق وهذا ما سينقص بعده

طاهر وطارنذر الطاهر وطار منذ إحالته المبكرة على التقاعد – 47 سنة- حياته للتنشيط الثقافي، فأسس في نهاية الثمانينات جمعية ثقافية باسم الجاحظية خاض بها وفيها معارك أدبية وثقافية معتبرة، والجمعية التي يديرها منذ تأسيسها تساهم بشكل فعال في تنشيط العاصمة الجزائرية من خلال الدروس و المحاضرات والندوات والمهرجانات والسابقات الأدبية التي تسهر على إقامتها حتى في أصعب الظروف المالية والأمنية كما في منتصف التسعينات حيث ظلت الجاحظية المأوى المفتوح للمثقفين، وظل بيته مفتوحا أيضا، وفي هذه الجمعية كان لي الحظ أن أشتغل معه وأتعرف إليه عن قرب، من خلال مجلة القصيدة التي أشرفت على تأسيسها مع الجاحظية ومجموعة من الشعراء الشباب آنذاك : نجيب أنزار، الطيب لسلوس، نصيرة محمدي، فاطمة بن شعلال وغيرهم، ثم كان لي الحظ أيضا أن أتعلم منه  الكثير من شئون الحياة  حيث كنا قريبين لفترة مهمة، و كان لي الحظ  أن أختلف معه أيضا، عندما ساهمت في تأسيس جماعة المعنى في بداية التسعينات مع أهم الأصوات الجزائرية الشابة آنذاك وانقطعت علاقتي بالجاحظية دون أن يؤثر ذلك كثيرا على علاقتي بالرجل الذي بقي بمثابة الأب والصديق ،ليس فقط  في مجال العمل الثقافي وإنما في شؤون الحياة ، وأعتز هنا أيما اعتزاز كونه ساهم كثيرا في تنظيم حفل زواجي من مليكة بومدين واستقبلنا للعشاء في بيته ليلة العرس، وكان ذلك في 31 ديسمبر 1995.كما لا أنسى أبدا أنه واحد من الأدباء القلائل الذين زاروني في قرية بن ظنون بخميس الخشنة لتعزيتي في وفاة والدي علي بن مبارك رحمه الله. يجب الاعتراف أن الرجل الذي كان يستميت في الدفاع عن رأيه بقوة حتى ليصعب العمل معه،  كان  في نفس الوقت يحترم الرأي المخالف ويقدره  ، ولعل عبارة « لا إكراه في الرأي » التي اتخذها شعارا للجاحظية تعكس رغبته العميقة في المجتمع الذي رغب فيه وساهم في بنائه، لقد أنشأ جائزة شعرية جزائرية ثم مغاربة ثم عربية محترمة باسم مفدي زكريا فحررنا من شبح إمارة الشعر لمحمد العيد آل خليفة  وأعاد لشاعر الثورة المكانة التي حرم منها، الروائي الطاهر وطار رجل دولة بقلب شاعر ويدي مهندس بارع، رجل في المستوى كخصم وفي المستوى كصديق وهذا ما سينقص بعده

الموت بالنسبة إلي أيضا تجربة، حالة فنية أريد أن أعرفها

فرحت لمجيء عمي الطاهر للعلاج في باريس في بداية النصف الثاني من شهر ديسمبر 2008 ، لقد أخذت عطلة لأكثر من أسبوعين وهذه العطلة ستسمح لي بمصاحبته لوقت أطول، كان أول شيء يطلبه مني فور وصوله هو أحضر له منبها و قسيمة تحميل تليفون ، كان لديه هاتفان أو ثلاثة وكان يقضي وقتا مهما في الرد على الطلبات الهاتفية ، أهل أصدقاء ، طلبة ، مسئولون في الدولة الجزائرية ، كتاب عرب ، أعضاء الجاحظية وغيرهم كثير، وكان يرغم نفسه على استقبال المكالمات حتى وهو يتحرك بصعوبة كبيرة جدا ، ويتابع الأخبار، يسألني عن الجديد في الأخبار الجزائرية ، العربية، عن محمد الزاوي، عن واسيني الأعرج وعن ابني الصغير الذي أقام معه علاقة متميزة، لم يحب أن يغيب عنه شيء، كان يحن كثيرا الى الكسكسى والشربة البليدية و الخبز الجزائري، وجبات المستشفى المفروضة بأمر الطبيب لم تكن تروقه كثيرا. يقول وطار في حديث مصور له في الأيام الأولى لوصوله وقد كانت حالته الصحية متدهورة جدا جدا،يقول لمحمد الزاوي : « الموت بالنسبة إلي أيضا تجربة ، حالة فنية أريد أن أعرفها » وهنا ينفجر الزاوي في ضحكة هستيرية ثم أنفجر أنا ثم عمي الطاهر. ضحكنا نحن الثلاثة طويلا جدا، كان الرجل على باب الموت ولكنه ضحك عميقا معنا، كان يسخر من كل ما ير يد ويستهتر بالحياة، أنه رجل قوي جدا، انقلب جو الحزن ضحكا، وشاركنا عمي الطاهر في التنكيت والسخرية.

 يقول وطار في نفس الحوار  » سبق لي أن تجولت في المناطق الخطيرة بحثا عن ما يسمى بالإرهاب لنتجاوز هذا الجدار الذي يقف دائما حائلا بيننا وبين حالات تحدث للآخرين  » وهنا أتذكر أحد أيام ربيع 1995 وكانت الحالة الأمنية متدهورة الى احد الذي أعلنت فيه مناطق حول العاصمة مناطق محررة ، طلب مني وطار أن أصاحبه للبحث عن الكاغط أو الورق للمطبعة ، ركبت الى جانبه دون أن أسأل الى أين طبعا ، كنت أتصور أننا لن نخرج من العاصمة ، ولم انتبه ونحن نتحدث حتى أجد نفسي في الكاليتوس وبئر توتة وغيرها من المناطق المحررة، كل ما كان يهمه هو شراء الكاغط ، حتى ولو في بوزقزة

طاهر وطار وعمار مرياشفي نهج شالينييه ، باريس

عندما تحسنت حالته الصحية قليلا أتخذ بيتا له في فندق جد قريب من مستشفى سانت انطوان حيث يعالج ، بالضبط في نهج شالينييه، وكان يخرج بمساعدة عصاه السحرية – التي يحاورها كشخص ويسميها « أوباما » –  لتناول الغذاء والمشي قليلا، كان يضطر نفسه للمشي وللقيام ببعض الحركات الرياضية حتى يحافظ على جسده ن وكان يحب أن يتناول غذاؤه في مطاعم مختلفة الى أن انتهى الى اختيار مطعم جزائري وآخر مصري في شارع ديدرو، أقام معه عمي الطاهر علاقة متميزة وأصبحوا يهتمون به اهتماما خاصا، في هذه الفترة طلب مني أن أساعده في تحديث موقعه الإلكتروني وموقع الجاحظية –باعتباري مطور مواقع الكترونية – ، يجب التنبيه الى أن الطاهر وطار هو الذي طور موقعه وموقع الجاحظية بنفسه، علاقته بالتكنولوجيات الجديدة ممتازة، طلب مني أن احضر له برنامج فلاش وكتابا عن البرنامج ليتعلمه، ومرة وجدت عنده جهاز ماكنتوش معطل كان يتسلى بتصليحه، أخبرني عندها أنه سبق له أن تعلم لغة البرمجة « البازيك » وطور بها برامج ، في هذه المرحلة كان عمي الطاهر يقرأ قليلا من الكتب الكثيرة التي  كانت تهدى إليه، إذ أن أغلب زواره كانوا الكتاب والمثقفين وقرأ رواية للتونسي الحبيب السالمي حدثني عنها طويلا . قلت في البداية أنني لن أعرف رأيه في كتاباتي إلا حين صدور ديواني اكتشاف العادي، والذي كاد أن يقاطعني بسببه،  حيث رأى في ذلك كمن يهرب من رسم الجورنيكا ليرسم أعمالا لميرو أو كاندانسكي، خاطبني بحدة، « أنت تستهتر وتتهرب من مسؤوليتك  » كان يفعل ذلك كلما بدا له الأمر مختلا جدا، حتى مع سياسيين كبار، كان يعتقد أن الكاتب لديه وظيفة ومسؤولية كبيرة  ولم يكن مخطئا في تصويره لعملي ،  ولكن هل الجزائر عام 1993 كانت حقا بحاجة الى الجورنيكا أم على العكس كانت بحاجة الى اكتشاف العادي  ؟  سيعود الكاتب الكبير الى اكتشاف العادي عام 2009 ليفتتح مقالا عن رواية عشاق بية للروائي التونسي الحبيب السالمي قائلا :  » عمار مرياش الشاعر الجزائري مهووس باكتشاف العادي، حتى أن له قصيدا جميلا بهذا العنوان، وكأنما يريد أن يقول، دهم قطار لبقرة في غير الهند أمر عادي جداً، لا تهتم به وسائل الإعلام، حتى وإن كانت البقرة الوحيدة لصاحبها، أما بقرة الهند فكارثة تثير الانتباه، حتى وإن لم تكن ملكا لأحد.
ويبدو لي أن الروائي التونسي المقتدر، اختار عن وعي وعن تحد هذه الإستراتيجية الخطيرة، ذات الحدين.. » وسلمني رواية الحبيب السالمي بعد ذلك لأقرأها ، لقد أعجب بها ، صار وطار أكثر تأملا وكانت كل جهوده منصبة على روايته الأخيرة « قصيد في التذلل » كان يحب إتمامها قبل الموت. بينما سمحت لي هذه الفترة في التعرف عن قرب على فكر وطار ورؤيته للحياة والأدب وكذلك نكته ومرحه حيث كنت أسهر معه كلما سمحت الظروف بذلك

درانسي، 93

في درانيسي بالمقاطعة 93 الفرنسية ، والتي عمليا هي جزء من باريس يكمل وطار روايته الأخيرة « قصيد في التذلل » التي ستنشر مسلسلة على إحدى اليوميات الجزائرية قبل أن تسارع الدكتورة زينب الأعوج الى نشرها  بالفضاء الحر وتنشرها أيضا أخبار الأدب في مصر ، في هذه المرحلة يشعر وطار بنوع من الارتياح ويعود للاستماع الى بورقعة و بقار حدة ويشتد تفكيره في بدايات الإنسانية وكيف ان هجارة في الشمال الإفريقي شاركت في بدايات الحضارة الإنسانية، يعبر عن إعجابه بأعمال إبراهيم الكوني وكيف أن لتارقيته نهكة خاصة على لغته العربية، مثله هو ، عن خصائص الحيوانات وعن نوع من السمك يهاجر بعيدا ويعود ليموت في المكان الذي ولد به ، يشتد حنينه الى الجزائر الى أحفاده وأهله والى أشجار حديقة  ببيته، يقول لا بد أن يضبط كل شيئ ، يجمع كل قوته ويعود الى الجزائر

آخر زيارة

عمار مرياش والطاهر وطارقضى وطار أسبوعه الأخير في باريس في بيت محمد الزاوي وقضيت معه يوم الثلاثاء 15 جوان كان من المفروض أن يزور معي المقاطعة 77 التي أسكن بها والتي تحتوي على مناظر خلابة كان ينبغي رؤيتها، لكنه أصر على أن نبحث أولا عن بطاقة  موديم / شبكة للكومبيوتر لإنشاء أو لتصليح شبكة محلية في الجاحظية ،ووجدنا بصعوبة كبيرة وبعد بحث بطاقة قديمة صالحة للاستعمال فأخذناها ووجدت بطاقة أخرى في بيتي وعاد فرحا ببطاقتين وكنت أنا أسعد ، حيث آن هذا النوع  لم يعد متوفرا في السوق بسهولة ، ولكنه أحس بالرغبة في الأكل فذهبنا لتناول الغذاء في مطعم لبناني في لوني،وعندها أحس بالتعب فاعتذر وطلب مني أن أصحبه الى البيت ليرتاح.

 

يقول وطار في مذكراته : »ورثت عن جدي الأنفة » وهذه الخاصية قد تفسر بعض جوانب شخصيته وطار الذي يملك الجرأة ليقول لأحد رؤساء الجمهورية  » سوف لن يذكر اسمك أحد بعد سنوات ، في تاريخ الجزائر سيبقى اسم الطاهر وطار والشيخة الريميتي ولن يبق اسمك » يملك الجرأة أيضا ليقول لأحد الشعراء الشباب ناعيا مصيره « أعرف، سوف لن يسير في جنازتي أحد »، هذا الرجل الكبير مات، ومشى في جنازته الشعراء والأدباء و الوزراء والشباب وعامة الشعب ، مات كما يموت الناس جميعا ، ولكن كتاباته ستظل استثناءا ومواقفه أيضا

 
بقلم : عمار مرياش / باريس أوت 2010

 

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *