ملف الكتاب والجسد

تسألينني عن الإحتفاء الجسد ؟ هل يمكنك أن تشرحي لي ما معنى الإحتفاء وما معنى الجسد ؟ كيف أشرح لك ؟حسنا : حكى لي الشاعر الجزائري عياش يحياوي أنه كبر معتقدا أن الرجال يولدون ويكبرون فقط لكي يموتوا مجاهدين في الحروب أما أنا فكبرت في شعب عظيم في يوم مبارك في أرض طاهرة ، حيث لا جسد ولا احتفاء.

في المدرسة تعلمت الكثير ، وفي كل الميادين،  طبقات الأرض الجيولوجية، ذرات الكيمياء، مقاومة المواد ، فلسفة الإغريق، جغرافية أمريكا اللآتنية، المصفوفات والجب والتجب ، ماذا أيضا ؟  ،   ، الجهاز التنفسي لدى الضفدع ،التربية الإسلامية ، الإقتصاد السياسي ، الرياضة ،الموسيقى درست كل شيء ما عدا أهم شيء : جسد الإنسان، أو كانت محض مصادفة إن لم نرى  من جسم الإنسان سوى هيكله العظمي؟ علوم طبيعية أم حصص كوابيس ؟ألم تدفعنا هذه التربية الحسنة جدا جدا الى تعرية المعلمات  والزميلات في أحلامنا ليلا ؟

في العائلة والمحيط كان الأمر أخطر قليلا، لا مجال إطلاقا للجسد ، بل لا مجال للفرد بكامله ، كبرت في وسط ليست له لغة، محض مجموعة من الإيماءات والرموز والإشارات والمجاز ، واللبيب بالإشارة يفهم، ثم الضرب على الأيدي ، على الأرجل، أو مباشرة  على الخد أو الفم ، كبرت في وسط الجسد فيه خطيئة أما جسد المرأة فهو فوق ذلك عورة، عورة يجب سترها ويمنع وصفها ورسمها وتصويرها ، ثم ما قيمة الجسد ؟ ألم يقل شاعر العرب العظيم :

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده        فلم يبق الا صورة اللحم والدم.

أعتقد أن الإحتفاء بالجسد رحل مع انهيار الحضارة العربية الإسلامية : العباسيين ثم الأندلس،باعتباره سببا للإنهيار ،  ولم تزل جملة أم الأمير عبد الله الصغير تتردد في كل أذن إبك الآن كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال

ولم يبق بعد ذلك لأكبر شاعر حب عربي – نزار قباني – إلا أن   يسحب خنجره وسواطيره ليحتفي بالجسد كما يحتفي الإنسان البدائي المتوحش بفريسة صيد :

لم تبق زاوية بجسم جميلة         إلا ومرت فوقها عرباتي

فصلت من جلد النساء عباءة    وبنيت أهراما من الحلمات

أستثني هنا جزءا هاما من الثقافة الشعبية الجزائرية التي سأكتشف بعضا منها بعد المراهقة.

صرت علامة، موسوعة فكرية شابة أحسن الإجابة على مسائل كثيرة ما عدا ما هو أساسي جدا وبسيط جدا مثل ما أنا مثلا ؟ ، طبعا ، تعريت أمام المرآة وأعجبت بجسدي الرائع وكدت أصبح  نرجسيا لولا تعلقي المبكر بالآخر وبالخارج  ولولا إكتشافي المبكر أن المدرسة أنشأت خصيصا  لتعديل النمو الطبيعي للأطفال أو لتشويهه، فاصلة بين أجسادهم وأفكارهم، مدعمة في ذلك بالعائلة والمسجد والدولة  وأحيانا بالتلفزيون والإذاعة والصحافة المكتوبة.

  إن مسحا سريعا للعناوين الأدبية المتوفرة في المكتبة لا يوحي بالإحتفاء ،  بل بالمعاناة : خارج الجسد  ، الجسد بلا معلم، متاهة الجسد، الذئاب والجسد، الجسد وليمة، التاج والخنجر والجسد، أطلال الجسد، الفضاء والجسد، الروح الجسد، وحشة الجسد، الجسد والعصا، الكفن الجسد ، ذاكرة الجسد ؟

أكتشفت الشعر في سن مبكر مع قصائد أم كلثوم الرائعة ورومانسية عبد الحليم حافظ الوديعة  وبدأت  أقارب الجسد بما أوتيت من رغبة ، بلا تجربة شخصية أو خبرة موروثة :

 إنني أعبد الحسن

 يقتلني نهد فاتنة حين يهتز، يسكرني الخصر بالإلتواء

كم أحب النساء،،كم أحب النساء

 إنما لا يشرفني أن أكون أميرا على دولة للنساء ( الجزائر1985 ) السفينة

الرمز طبعا هو مادة شعرية بامتياز للإحتفاء بالجسد، فالجسد هو أيضا مادة شعرية للإحتفاء بالرمز إذن :

 وكيف يكون لي شأن إذا لم تمسكيني من قفاي وجرجريني في الشوارع ها هو الرجل الذي أحببت ( الجزائر1987 ) نورة

مع بداية التسعينات تتوضح الرؤية لدي بشكل جيد :

علمتني الأسماء لكن لم تعلمني المسمى

كنت أعمى قبل هذا اليوم واليوم تعاميت لأعمى

أو كما في قصيدة لا يا أستاذ :

لا يا أستاذ

أنت تعلمني الأسماء فأنسى

أرني الأشياء ودعني أتعلم

عمار مرياش

باريس 29 سبتمبر 2009

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *