قراءة في تجربة الشاعر الجزائري عمار مرياش : د. خيرة حمر العين

قراءة في تجربة الشاعر الجزائري عمار مرياش : د. خيرة حمر العين

مغاليق الدهشة ولا نهائية المقول

قراءة في تجربة الشاعر الجزائري عمار مرياش

لا عبثيًا، ولا تشاؤميًا، ولا نمطيًا، ولا حداثيًا، ولا قُبّانيًا، ولا أدونيسيًا، ولا درويشيًا… شاعر يكتب خارج كل المرجعيات والأطر والمعايير والأيديولوجيات الراسخة. إنه الشاعر الجزائري عمار مرياش، الذي لا يؤسس لفكرة ثابتة، ولا يتبنى منطقًا خالصًا، ولا ينطلق من موقف جامد، ولا يؤمن بمعنى قارّ. بل هو – بعيدًا عن كل ذلك – يحتفل بالإحساس الذي يقود إلى الانفعال باللحظة الشعرية، والانفلات من تعنيف الصورة الفنية بإلزامها بدلالات محددة.

إنه الشاعر/(النبي) الذي “يكتشف العادي” و**”يكتب المستقبل”**، باحثًا في تقويل الوجود بلغة الانخطاف الطفولي بكل تفاصيله. ينسج عباراته من تلك الأمزجة المراوغة، المتلفتة من أي ترابطات منطقية. ليس صوفيًا عرفانيًا، ولا فيلسوفًا نيتشويًا، لكنه ببساطة مبدع يلتقط المنفلت من حولنا، والضائع من حياتنا، و”يُفاكه” الأزمنة والأمكنة، والحدود والمسافات، والأشكال والكلمات، والأفكار والدلالات، في عبور لانهائي نحو مجاهيل اللغة الشعرية وكونيتها الرهيبة.

مهملا لغة الناس
فلسفتي: ان تشاغب فانت نبي الزمان
وشعاري: القلق
الأذى جمرة والكلام دخان
لا مضى ما أخاف عليه ولا ما سياتي طريقي
الأذى لغتي والضياع صديقي
ومعجزتي ان أسير بغير طرق (1)

لغة تحاول أن تفهم مسعاها ومنفاها، لا تجادل في شك، ولا تركن إلى يقين. تلوّح بمقاصد نبوّة غير مفسرة، تنتشر في دخان الكلام مثل شظايا يغمرها جمر القلق، غير معنية بترتيب الوجود أو العدم. إنها لغة تتلظى بين الماضي والآتي، تائهة في دهشات المعجزة، منهمرة في لا اتجاه، وليس في وسعها أن تستوضح نواياها في الوصول.

هذه الشعرية، التي سعى عمار مرياش إلى تجسيدها منذ صدور ديوانه الأول “اكتشاف العادي”، ترتسم في لجج من التصورات غير التقليدية. تستعير أبجدياتها من إيقاع الحياة المشوش، وضبابية الوجود، وحيرة الرائي الذي يرغب في استدعاء أفق مؤجل من الحلم والغايات والرغبات.

أرسم الصحو مرتبكا والندى ثمل الخطى يحبو
ولا ارسم الشجرة
ارسم الغول ذا العين فوق الجبين وأعني به ال….
غد (2)

هكذا، يزيح الشاعر العلامات عن حقولها المعهودة، ليستبدل بها مرجعية خرافية، ويسدل الستار عن غد مشوّه بوَحشية التَّغوُّل. هذه الاستعارة تتخذ بُعدين:

بُعد بنائي: يستعين به الشاعر بريشة الفنان ليرسم.
بُعد دلالي: يستعير فيه أسطورة الغول ليقول.
وهكذا، تزول الحدود بين الرسم والكلمات، بين الإحساس والمعنى، وبين الانفعال والدلالة، فيما يمضي الشاعر في خلق لغة مغايرة، لغة تمتد إلى مدى شاسع، متجاوزةً التجارب الشعرية التي اعتادت قول الأشياء إلى الرغبة الجامحة في تقويلها.

أيها المستحيل المسمى
اتخذ أي كهف بعيد عن الناس مأوى
اختبئ بين صخرة وصخرة كنملة
هناك انقرض في سلامة
ولا تلتق الناس
لا تلتق الناس
لا تلتق الناس حتى تقوم القيامة
وان نبذتك الغيوم الكبيرة صونا لسمعتها في
السكون
فقل: انني صخرة….
إنني صخرة…
إنني صخرة … والعلامة
أنني منذ بضع وعشرين لم اتحرك
وحتى العناكب كانت تعشش بين ضلوعي
وباضت حمامة( 3)

إن الشاعر عمار مرياش مدركٌ تمام الإدراك لخصوصية الكتابة الشعرية، التي تحظى في تجربته بنوع من الحدسية، بعيدًا عن الانكشاف الخارجي، سعيًا إلى تجسيد المعنى الحي في حقيقته الباطنية. كما أنه يرتقي بالصورة الشعرية بعيدًا عن التقريرية، بإضفاء خاصية التعامل الحدسي مع الأشياء، كما ينبغي لها أن تتجلى في الخطاب الشعري.

وثمّة ما يفسّر هذه الدافعية نحو استلهام علاقاتٍ تتكوّن في جوهرها من انصهار دلالات خفية، عبر تقويل الأشياء، وفكِّ قواعد الاسم عن المسمّى.

إنها حالة استثنائية مربكة في وجدان الشاعر، تجعله يتعامل مع الأشياء بمعزل عن مسمياتها، فتنبضُ بنبض أحلامه ورؤاه. وسنجد أن هذا التصوّر، الذي رافق تجربته المبكرة، يستند إلى متغيرات لا ذاتية، تستمد ملامحها من التحام عناصر متداخلة ضمن ما يُعرف بـ سيمائية الأهواء، التي تقارب المنفلت والمنسي، والغائب والصامت، والنائي والغريب، وغيرها من مقتضيات الشعرية المنهمكة في ابتكار عالمها الخاص.

ن.ع .م. آية
والسماء بدائية،
والطريق عدائية ،
والقوارير خاوية،
والحبيبة نائية،
والعيون دموع ودم
قضي الامر الذي فيه تختلفون
ولم يبق من دهشة الكون غير العدم
قضي الامر
لم يبق من وطن نتقيه سوى ثلة من معوقين
تحت العلم
قضي الامر ، لم يبق من سبب للبقاء على هذه
الأرض غير الألم
فاحضنوا بعضكم ما استطعتم
غدا لن تتاح لكم فرصة للندم،
وغدا لن تتاح لكم فرصة للغناء،
وغدا لن تحبوا النساء،
وغدا لن تغني الطيور،
وغدا لن يحط الغروب على شاطئ البحر لن
يكتب الشعراء(الحبشةص 40)

تفكيكية ما بعد المختلف تشتغل على الحفر في العلاقات المتباعدة بين الأشياء، ومعالجتها عبر شاعرية المفارقة، والمعجم الشعري، والمغايرة في أسلوبية البناء الفني، إضافةً إلى الرؤية التي تصدر عنها مواقف الشاعر تجاه العالم والمجتمع والكون.

تمتلك هذه القصيدة خصائص فنية متعددة، سواء من حيث:

مظاهرها الفنية، التي تجلّت في توظيف معجم شعري يجمع بين البساطة والعمق.
بنية المفارقة، التي تخلق جسورًا بين أشياء متباعدة، مؤثرةً على أفق انتظار المتلقي.
الرؤيا الجمالية، التي تختزن فيضًا من الدلالات اللامتناهية في بعدها الإشاري.
وقد تجلّى كل ذلك من خلال إيقاع شعري مغاير، يسعى إلى التأصيل للحظة فارقة في تاريخ الشعر الجزائري.

دلالات الحروف ومرجعية النبوءة
يبدأ الشاعر نصّه بـ حروفية، الغاية منها تأكيد هويته النبوية:

ن: نبي
ع: عمار
م: مرياش
هذا التأكيد ليس مجرد شكل، بل هو إثبات لنبوءة الشعر، التي تستعين باختيار معجم الحكيم، وكأنه قد أُوتي السر، ومُنح الكرامات، وتملّك قلوب الناس، يعظهم، يحذّرهم، ينهاهم، ويأمرهم، وهو يغوص في زمن الخراب، حيث يُفتك بعناصر الحب والعشق والموسيقى والجمال، وينذر بصور العدم والندم والألم، التي اختزلت حلم الإنسان الجزائري في قبضة بركانٍ من الدم والدموع، في إشارةٍ إلى العشرية السوداء.

يداي رفعتها للسماء
وانتظرت لتمطر لي ذهبا
خاب ظني كما خاب من قبل فيك
خيبتني السماء
خيبتني النساء
خيبتني المدن
وها أنذا عقرب حول نفسي أدور
أشير لكل الجهات… التي أنت فيها
وكل الجهات التي هي فيك
وأبحث عنك كثيرا ولا التقيك(4)

من المؤكد أن أزمة العشرية السوداء قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في ولادة تجارب شعرية وسردية متنوعة، وثرية بمستوى الشرخ الذي تركته في نفوس الجزائريين. غير أنها سرعان ما تحوّلت إلى شعلة تنبعث من رماد السنين، وقد نجح الكثير من الأدباء في تحويل هذه الأزمة إلى مادة للامتصاص الأدبي.

وقد بدا واضحًا أن التفاوت في استيعاب هذه الأزمة يمثل فارقًا فكريًا وجماليًا ورؤيويًا في المعالجة الفنية وإدراك انعكاساتها على المتلقي.

ولعل ما نلاحظه في تجربة عمار مرياش هو الشعور بالخيبة، القهر، والانتكاس، والإحساس المرّ بالاغتراب، مما يعني أن تمثل ذلك الراهن بكل إسقاطاته الاجتماعية والنفسية والجسدية يعد معادلاً وجدانيًا لمعايشة واقعٍ مرير، ظل ينعكس بظلاله السوداء إلى سنواتٍ من الرعب، والخوف، والقهر، والانتظار.

حفرت على جدران السموات اسمك فانفلقت
على الأرض فاخترقت
على الصخر فانشق
واحتمل القلب كل خطاياك ممتلئا بالأمل
خذيني على نيتي
كل شيء ترتب ضدي
لأحلم وحدي بفاتنة
عشقها مستحيل
ونسيانها مستحيل(5)

إن الفن، وهو ينقلنا إلى عوالم الحدوس والرؤى، يكون بمثابة طاقة لاستحضار الغائب واستكناه الممكن، وهو في أثناء ذلك يتيح لأنفسنا أن تنفذ إلى الأعماق والأقاصي. وقد يكون النصيب الأكبر من هذه التجربة للشعر، إذ: “فما يدوم إنما يؤسسه الشعراء”، كما يمكن للفن أن يجعل من هذه الديمومة فيضًا من التجلي الخفي، الذي لا يمكن القبض عليه إلا في أسمى معانيه، وهو دأب الشاعر عمار مرياش حين يقف على ضفاف المعنى متجردًا من الأدوات المعتادة، غير مهتم بالاستعارات والكنايات بقدر اهتمامه بابتكار أسلوب حول الكيفيات التي تجعل الأشياء تقول ما ينبغي لها أن تقوله هي لا كما نريد أن نقوله عنها، ويعد هذا المنحى طابعًا خاصًا ميّز المسار الشعري لعمار مرياش.

ويبدو أن العلاقة بين الأشياء والكلمات تعد رافدًا مهيمِنًا في نصوص الشاعر عمار مرياش، وهو معنيٌّ إلى حدٍّ كبير بالنظر في هذه العلاقة من حيث عملية الخلق الإبداعي في حد ذاتها، ذلك أن الكلمة، مهما كانت دالة، فإنها تشكّل تمثيلًا لواقع، وليس الواقع في حد ذاته، وهو ما يجعل من اللغة عبئًا على الشاعر، أو كما سبق لـ رولان بارت أن أكّد: “في اللغة سلطة وخضوع”، مما يعني أن الشاعر، وهو يسمّي الأشياء، يكون قد وقع في سلطة التسمية، مع فارق وحيد، وهو الجانب الحدسي الذي سوف يتدخل لإزاحة أي مطابقة ممكنة بين الواقع والمقول، وهو السبب الذي جعل الشاعر يقول في “لا يا أستاذ”.

لا يا أستاذ
الشاعر لا يحسن شيئا في التعبير
الشاعر يحيا
ويعبر عند العجز المطلق بالكلمات
فالشعر حياة
والشاعر ليس كبيرا
الشاعر متسع في الانوات
لكن أحيانا حين يضيق الشاعر
تكبر في عينه الذات ( 6 )

“الفوقية حد لما للتحتية وليس لما للفوقية حد، ابتلاء الصوفي في الأقاصي، ومحنتهم في بلوغها، لذلك يصف النفري هذه المحنة في حدود الفوقية، أي المطلق واللانهائي، وتلك غاية الشعر العظيم أيضًا. فحتى عندما لا يدرك الشعراء هذه الأقاصي، فإنهم يكابدون محنتها، وليس في وسع كل الشعراء أن يكونوا كذلك، لكن مجرد ملامسة هذا الفيض يعد في حد ذاته تجربة مبهرة، لذلك كانت الخبرة أشد من التعلم، والرؤيا أقوى من الفكرة.

لا يا أستاذ
انت تطالبني بالحفظ
واني احفظ كالببغاء ولا افهم
انت تعلمني الأسماء فأنسى
ارني الأشياء ودعني اتعلم( 7)

ما من شيء مركوز في أعماق النفس البشرية إلا وكان الفن استجابة لقوته وتجذّره فينا، والشعر، بوصفه أكثر الأشياء براءة وأكثر الأشكال الفنية صفاءً وتجليًا، بإمكانه أن يمنحنا القدرة على ملامسة هذه الأعماق بكثير من الدهشة وقليل من الانتباه.

أرني العالم من عينيك
لكي أحب العالم
أرني العالم في عينيك
فاني اشعر بالوحشة
لا وقت لدى الدولاب
والقلب بلا أبواب
حاذر
قد تكسر حلمك في صدري
فتصير كما الوحشي الاعمى
حين ترى الكل نهائيا
لا تحتاج ولا يحتاج اليك
ستؤول ثم يكون لديك
حين اراك
اعرف ماذا ينقصني
الان وقد أدركت
أطبقت يدي على راسي ومضيت
ايه… لا معنى في الكلمات
إني اضرب كالطير فضاء أجوف (8 )

ما يلزم الفنان من الذخيرة ليس العالم كما يريده العقل، بل العالم كما يراه القلب. وتلك حكمة يلتزم بها الشاعر وهو يواجه كلمات جوفاء لا تسعفه في بلوغ حلم الأقاصي، وتلك لذة أخرى افتقدها الرسامون حين اعتلوا عرش الفكرة.

الان فقط .افهم بؤس الرسامين
لقد ذهبوا في اللون ولم يصلوا
وهم الفكرة شتت حكمتهم (9)

يبحث الشاعر إذن عن لغة تكسر الملاءمة أو التشابه بين الكلمات والأشياء، متجاوزًا لعبة الخفاء والتجلي، مستعينًا بالرؤيا بوصفها المنظار الذي تتحقق في سياقه معظم أفكارنا. ومهما كانت فلسفتنا حول الأشياء التي نعرفها، نجهلها، أو نستأنس بها، فإن لهب الكلمات سيقودنا لا محالة إلى أكثر المناطق جاذبية ووعورة، في العالم وفي أنفسنا، حيث نبحث له عن ترجمات في الذات، في الصوت، وفي الصورة، وتجبرنا الحدوس والرغبات على تحويل هذا العالم إلى محض كلمات…

* – شاعر جزائري مقيم بباريس
من دواوينه الشعرية
1/ اكتشاف العادي ، منشورات رومنس القرن 21 الجزائر ط3/2021
2/الحبشة يليها النبي ، دار نقوش عربية ، تونس ط1/2010
3/لا يا أستاذ ، أثينا للثقافة ، الجزائر 2013
** وردت هذه الكلمة في قصيدة" احتفال" المفرد من ديوان اكتشاف العادي
1) الحبشة ص 13
2) المرجع نفسه ص 14
3) نفسه ص
4) نفسه ص 40
5) نفسه ص 44
6) لا يا أستاذ ص 86
7) المرجع نفسه ص 87
8) نفسه ص 68

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *