لماذا انتصرت العربية في الجزائر ولم تعد لغة الرجعيين؟!

غداة الاستقلال وخلال عشريتين كاملتين، انقسم المشهد اللغوي في الجزائر على أساس إيديولوجي، بحيث كان المفرنسون يمثلون عموما التيار التقدمي ثقافيا وكان المعربون يمثلون عموما الفكر المحافظ والرجعي المقاوم للموجة التقدمية، وعلى هذا الأساس اكتست العربية صورة متحجرة في المخيال الجزائري وارتبطت بالرجعية الثقافية والدينية والسياسية، لكن التحولات سوسيو ثقافية التي عرفتها الجزائر أساسا خلال السبعينيات، أنتجت جيلا في الثمانينيات شكل بداية قطيعة مع النظرة التقليدية للمشهد اللغوي في الجزائر، تمثلت في جيل جديد بدأ يفكر وينتج ثقافيا بطريقة مغايرة وجديدة وبدأ يعرف نموا متعاظما تجلى في حقبة ما بعد أكتوبر من انبلاج التعددية في الجزائر التي تمثلت في المجال الإعلامي، حيث برز جيل من الإعلاميين متميزين وأكثر حداثة في التلفزيون مع وجوه تمثيلية مثل مراد شبي، رابح خوذري، نصر الدين عيساوي، كمال معيوف، إسماعيل يفصح، كمال علواني وغيرهم. وفي الصحافة المكتوبة مع جيل “الخبر”، واليوم، وفي المجال الإبداعي مع جيل مثّله شعراء حداثيون مثل عمار مرياش، عاشور فني، عبد الله الهامل، سليمى رحال، نصيرة محمدي وعادل صياد، ميلود حكيم وآخرون، وفي القصة والرواية مع كتاب مثل سعيد بوطاجين، بشير مفتي، عمارة لخوص، حميد عبد القادر، عبد الوهاب بلمنصور وغيرهم، ليعقب ذلك جيل سيجعل من العربية قلب الحداثة الثقافية والأدبية في حقبة ما بعد الإرهاب في العشريتين الأخيرتين وستكون أصوات مثل إسماعيل يبرير وسعيد خطيبي وسمير قاسيمي علامة على انتقال العربية من لغة محافظة مهيمنة إلى لغة التقدم والحداثة، ونزعة ما بعد الحداثة التي جاءت تعبيرا عن هذه النقلة لجزائر جديدة صعب الاعتراف المهيمن الذي لازال سجين منطق التقسيم اللغوي التقليدي وأسير النزعة الفرنكوفونية البيروقراطية الرجعية المعتمدة على الرصيد القمعي للجهاز البيروقراطي السلطوي، إنّ هذا المعطى الجديد لم يحظ بمتابعة السيسيولوجيا الجزائرية ولا باهتمام الدارسين لحالة الجزائر الثقافية اليوم، وكثيرا ما يسعى بعض المراقبين السطحيين إلى ربط الإسلاموية بالتعريب، وهذه مغالطة إيديولوجية تقوم على النزعة التسلطية المستمدة من ثقافة الهيمنة المستمدة شرعيتها من السلطة السياسية البيروقراطية التي باتت حجرة عثرة أمام تجلي المستقبل على يد الأجيال الجديدة التي أصبحت في العالم غير المعترف به من السلطة وفي العالم الافتراضي أكثر تقدما وتقدمية من حراس نظام الهيمنة العتيق المتآكل. لقد انتصرت العربية على الأرض ولم تعد لغة الرجعيين، في حين أن رعاة الفرنكوفونية لازالت تخوض حربها الوهمية ضد عربية إسلاموية لم يعد لها من وجود إلا في خيالهم الإيديولوجي، الذي باتت تمليه عليهم مصالحهم الطبقو-ثقافية ونزعاتهم المحافظة والرجعية، لقد أصبحت الفرنسية البيروقراطية والسياسية هي لغة الرجعية الجديدة المتحالفة مع الحثالة المالية للإبقاء على الوضع القائم على حاله!.

 

المقال الأصلي – المصدر : الحياة – التاريخ : 19-10-2017 | تعاليق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *