الثقافة عام 2009: ثقافة البؤس، بؤس الثقافة

الثقافة عام 2009: ثقافة البؤس، بؤس الثقافة

الثقافة عام 2009: ثقافة البؤس، بؤس الثقافةخرج جماعة من مهندسي الرصد الجوي في جولة، بعد أن تأكدوا من إشراق الشمس وصفاء السماء طول النهار، وفي طريقهم،رأوا عجوز تهرع بسرعة البرق، تلم كسكسى منشورا على رداء، خوفا من سقوط المطر، وهنا تقدم منها مهندس وطمأنها أن المطر لن يسقط هذا اليوم، وأكد لها أنه من خبراء الرصد الجوي، ولكن العجوز أكدت له أن المطر سيسقط بعد دقائق، وما هي إلا دقائق حتى تسارع المطر في الانهمار بغزارة ، وهنا رجع المهندس الى العجوز وسألها : كيف عرفت أن المطر سيسقط ؟ فأجابت : رأيت الكلب يتمرغ ، فنظر المهندس الى زملائه قائلا :” روحي يا قراية عشرين سنة في تمريغة كلب”.

-2-

تروي كتب التاريخ أنه وفي أوج الحضارة العربية الإسلامية يتعرض شاعر مثل عمر ابن أبي ربيعة لنساء أشراف قريش ويتغزل بهن شعرا حول أشرف بيوت الله – الكعبة – ولم يحاكمه أحد ، ولم يحاكم أحد الحطيئة الذي لم يسلم من هجائه إلا من رحم ربك، ولم يحاكم أبو نواس وهو يتغزل بالنبيذ وبالغلمان في أوج الإمبراطورية الإسلامية، ونقرأ في الإعلام اليوم في الأردن عن محاكمة الشاعر إسلام سمحان لأنه كتب ديوانا شعريا لم يفهمه أو لم يقرأه الذين شهدوا ضده في المحكمة باعترافاتهم، بل ويحكم عليه بالسجن وبغرامة مالية، بتهمة أن بعض الصور الشعرية حسب المحكمة الموقرة إساءة للإسلام. الهي كم هو هش هذا الدين الذي يعقده الشعر.

-3-

تروي كتب التاريخ، أن امرأة جاءت عمر بن الخطاب، فقالت : يا أمير المؤمنين أقبلت أسوق غنما، فلقيني رجل، فحفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم حفن لي حفنة من تمر، ثم أصابني. فقال عمر : قلت ماذا ؟ فأعادت، فقال و هو يشير بيده: مهر، مهر، مهر ثم تركها ، ونقرأ في الإعلام اليوم أن السودان ترجم امرأة لا لاعترافها بالزنى، ولا لتعريها، بل للبسها السروال الذي هو حسب المحكمة الموقرة إساءة للإسلام.- بدون تعليق-.

-4-

حدث أيضا عام 2009 أن تنهار بعض أهرامات مصر العظيمة، مصر “أم الدنيا”، الأهرامات السياسية والفنية والأدبية ” في نزوة عابرة” كما يقول شاهد من أهلها ، الشاعر الصعيدي أمل دنقل ، هكذا مجانا للأسف ، أو للحمق، حين احتشدت الحكومة و وزارة الحربية والأسطول الإعلامي الفضائي وبعض الممثلين والممثلات الذين تنقل بعضهم الى السودان للتمثيل الحي مباشرة، احتشدوا لسب الجزائر والجزائريين بشكل عنيف وغير حضاري ، ظاهريا بسبب هدف وحيد ونظيف في مقابلة كرة اختارت مصر ميدانها. والحقيقة أنني صدمت قليلا، ولم أحب أن أصدق سطحية وهشاشة جزء لا يستهان به من” الطبقة المثقفة المصرية”، ولن أضرب هنا مثلا بممثلين معروفين جدا جدا، و الذين يكونون قد لعبوا أدوارا تعودوا على لعب مثلها، كمثيلين محترفين، وإنما سأضرب مثلا بشخص يحمل درجة الدكتوراه –أعلى درجة علمية- وجائزة البوكر –أكبر جائزة أدبية عربية….تمتعوا بمقاطع من كتابات يوسف زيدان- المصري اليوم : 25/11/2009- بعنوان ذكريات جزائرية…لاحظوا مستوى الفكر…مستوى اللغة…مستوى الأدب..مستوى البلاهة المنقطع النظير…يقول: ” ذلك البلد المسمى الجزائر/ كانوا والحق يُقال مثالاً للغباء والعنف الداخلي وكانوا حانقين على بلادنا، لأنها حسبما كانوا يقولون (متخلِّفة)../ ولأنني، على نحوٍ ما، صعيدي الأصل ولا يخلو باطنى من صفات الصعايدة، فقد أثارنى / فيهم الجبن المميز لسكان الصحراء/ ولا أحد يعرف لماذا يذبحون بعضهم البعض؟/ لقد نسينا ونسى الجزائريون أن مصر هى التى أنفقت من أموالها كى تجعلهم عرباً/ ما الذي حدا بهم إلى فرض ضرائب غير منطقية على رجل الأعمال المصرى، نجيب ساويرس، . وما تلك التلويحات الجزائرية بمسألة توريث الحكم فى مصر، وكأنهم أعرف بنا منا.. وما هذا النكران لبلدٍ كان بالأمس القريب يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ويخرجهم من جهل….”. أهذه لغة ؟ أهذا كلام يحمل كاتبه أكبر جائزة عربية لأهم جنس أدبي ؟ أهذا موقف ؟ أهذا مستوى دكتور ؟ أهو كاتب حقا ؟ والله راع من أي بلد أكثر تخلفا وانحطاطا في العالم لا يكتب مثل هذا الكلام ، أيمكن أن تنخدع ثقافة 20 بلد وأكثر من مائتي مليون مواطن وعشرين قرنا من التراكم الثقافي بكتبة جهلة مشعوذين سطحيين مناسباتيين بلهاء الى هذا الحد ؟ أي مثقف بائس و أي ثقافة بؤس.

-5-

الجزائر تؤكد تعاملها الفلكلوري المناسباتي مع الكتاب، فبعد الأكثر من 1000 عنوان صدر عام 2007 بمناسبة الجزائر عاصمة الثقافة العربية، يتراجع العدد الى النصف، الربع ، الثمن أو الى النشر الرمزي.لا أعرف- في انتظار الأرقام-، ولكننا نرى أن ناشرين كثيرين يختنقون يوم بعد يوم. باختصار: أشعر في نهاية هذه السنة، أن ما قدمته أجيال من عباقرة الفكر والفن والثقافة، وأن تضحيات أمم كاملة منذ فجر التاريخ، وأن مجهودات عملاقة وجبارة، أشعر أن كل هذا وأكثر، يمكن أن يذهب في قذفة كرة، في صورة شعرية ، في لبسة فستان، في مناسبة مفتعلة ….أو ببساطة لا متناهية، يمكن أن يسقط تاريخ من التطور الإنساني العظيم في تمريغة كلب.

عمار مرياش باريس 25 ديسمبر2009  

http://www.annasronline.com
كتبت الورقة  ردا على سؤال نوارة لحرش لجريدة النصر الجزائرية ونشرت بتارخ 29 ديسمبر 2009

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *