الشاعر الجزائري ” عمار مرياش و كتابه ” اكتشاف العادي “

من صاحب الدراسة الرائعة التي نشرتها الدكتورة ياسمين الحمود بموقع مدى البحر حول كتاب إكتشاف العادي لعمار مرياش ! ولماذا أثارت تدخلات إبراهيم الشتوي، محمد الأسمري، محمد صلاح ومشعل فايح ؟ ثم ما علاقة ثم ما علاقة الأديب الجزائري محمد رندي بالموضوع ؟ للإجابة عن هذه التساؤلات  ننقل هنا نص الدارسة كاملا وكذلك التعليقات المنشورة بهذا الموقع تعميما للفائدة

بسم الله الرحمن الرحيم
الشاعر الجزائري ” عمار مرياش
و كتابه ” اكتشاف العادي

ما الفكرة ؟
ما الاتجاهات ؟
ما الأفضلية ؟
ما أي شيء؟
و ما كل شيء؟
و ما ….. ؟

ما الحل الأمثل للإشكالية في الموضع و اللحظة ؟
الحمقى سعداء كثيرا
أما أنت فتدهشك..
الجينات ، الإلكترونات ، المدارات المتكاملة ، الآليات ، اللامرئي ، العادي …
لاحظ … أدركك الشيب و بالكاد توصلت إلى طرح سؤال تقريبا جيد ….
يحدث في الجزائر الآن أن تقرأ شعرا حقيقيا، رغم كل ما أصاب القراءة و الشعر من شقاء ، و يحدث تقابل القصيدة مجردة من مكنونها الشعري في مواجهة الحساسيات الجديدة التي تهافتت عليها فترة طويلة ، و يحدث ذلك بفضل بروز كوكبة جديدة من الشعراء مع مطلع الثمانينات و في التسعينات أحدثت قطيعة حقيقية مع كل ما يكتب فيما مضى باسم الشعر و استطاعت تجسيد ملامح تجربة شعرية جزائرية متميزة ، و من بين هؤلاء الشعراء ” عمار مرياش ” الأكثر تتويجا بجوائز المسابقات و الملتقيات الأدبية جزائريا و مغاربيا …
و قد تحقق حلم الشاعر مرياش بإصدار مجموعته الأولى ” اكتشاف عادي ” التي تخرج عن نطاق المألوف الشعري و بطريقة مغايرة في التعامل مع النص و اللغة ، بدءا من عناوين القصائد ” مرآة للمهاتما ، انتباه المذنب ، احتفال المفرد ، أقليم للمبتدئ ، شبه المعنى ، حرفة الهواية ، المتاهة و مجاز التعرية غير المرغوب فيه ، حجم الفكرة ” و غيرها من العناوين و مرورا بطريقة البناء الجديدة …
و ظيفة جديدة للشعر في عصر الذرة و الإلكترونات لا يظل الشاعر هو ذلك الذي يحمل مرآة ليعكس عصره ، إنما يضطلع بمهام جديدة لبلورة حكم جديدة في عالم يتغير بلهفة و الإنسان العربي لم يحدد موضعه بعد حتى بالنسبة للآخر القريب ، لإيجاد العلاقة الأنسب بينهما حيث يقول في القصيدة الأولى
مرآة للمهاتما
حدق في مرآتك تدركـني
أنا أنت
تأملني في صفحات النون الهادئ
تعلم منّي الوهم و علمني الحكمة
أنت حبيبي
و أنا أعبدك

و الحكمة هنا ليست استعارة للجاهز بقدر ما هي اكتشاف يصوغه الإنسان من صميم نفسه إلى نفسه ليحدد موضعه في خضم أسئلة الوجود إذ يقول في قصيدة ” أبجدية
البؤس هو العقل الماجن
الفقر هو الثقة المفقودة بالنفس
الحب هو الأبدية
و الظلم أشد من الفتنة
إلى أن يقول
… النفس هي المرض المزمن
و الفوضى هي ما يشبه ليس تماما
سوء الظن

الشاعر ” عمار ” يطرح أسئلة في صيغ فنية إنسانية بالدرجة الأولى ، و يقدم لها إجاباتها من جوهر الإنسان المتمسك بحقه في الحياة و الأمل ، و هذه ميزة أخرى عن جيله الموغل في التشاؤم و السوداوية …
لو مزقت ثيابي و بكيت
فإن الوضع سيبدو عاديا جدا
و سأبدو مظلوما للغاية
و النقاد سيثنون على حسي المرهف
أما و الفرحة تغمرني
و أنا أغزل خيط النور و أحفر نبعي
فأنا لا شك تغيرت
و صرت : بليدا

و هذه الروح النابضة المتفائلة تكاد لا تخلو منها قصيدة من قصائد المجموعة التي كتبت في زمن قياسي و في الأزمة التي مرّ بها الجزائر من يناير إلى إبريل 1993 ، أي أربعة أشهر و هو ما دفع بعض النقاد للتحدث عن ديوان تحت الطلب ” Sur Commande “ و حجتهم في ذلك أحسن الأعمال المتوجة – القصيدة الحبشة الفائزة بجائزة مفري زكريا المغاربية للشعر – و لكن الحقيقة غير ذلك فقد كان في حكمهم الكثير من التسرع ، و لو تأملوا أعمال المجموعة جيدا ، و انتبهوا إلى تلك اللوحات الفنية الأخاذة لأدركوا أن صاحبها مؤمن بالتجريب للوصول إلى قصيدة تستجيب لراهن القارئ العربي …
و لنقرأ هذه المقاطع من قصيدة ” الإشاعة
حيث الفكرة عراف أبله
و اللامعنى سفر الحكماء
جثوت
و غالبني الغثيان
لقد كنت لحد الساعة محض إشاعة
سبب آخر
إنني أكره أن أكره
” إلى أن يقول ”
لن أبلع نفسي ما دام الحب يحولني
سأحدق حتى أنفذ
.. إنني مندثر جد و وحدك تفهمني
نتصابى لنعيش اللحظة مبتهجين
نتعامى ليرى الواحد منا الآخر فيه نقيا
نتجاوز ذاتيتنا
كي نصبح ذاتا أبديا

هذا مثال للتدليل على شاعر يتعامل مع اللغة وفق ما تقتضيه أبعادها ، بوعي تام لأبعادها و منحنياتها ، ليؤسس في هدوء للقراءة لاستعادة توازن ” المنبر الشعري ” الذي فقد كثيرا من جمهوره خاصة مع التناسل الرهيب للمتشاعرين و غياب ضابط حقيقي لما هو مبدع و لما هو مبتذل في دعوة للبحث عن الإنسان في أعماق الإنسان ، منشدا الحب و الفهم الصحيح للحياة حتى في أحلك اللحظات و أتعسها ما دامت النهاية ..
فيقول في قصيدة ” أو التموضع
في النهاية ماذا ربحنا من الحزن و الاغتراب
أضعنا طفولتنا في البكاء على حلمنا
لم نكن حكماء كما ينبغي
انتبهوا ..
يغدر الزمن
حين ينكسر الوطنيون ينكسر الوطن
في النهاية ، من نحن ؟!
لسنا عبيدا ، و لسنا قياصرة
إننا هكذا و كفى ..

و لذلك يظل مستقبل الإنسان في البحث عن طرائق جديدة لفهم الحياة ، و يظل حلم الشاعر أن يعم الخير و تسقط كل أقنعة الشر في كل مكان فيدعو ” للعرس الدائم ” كما جاء عنوانا لإحدى قصائده بنبذ الحرب و المطالبة بحق البشرية في الحياة..
يا جنرالات العالم
الحق … الحق أقول لكم
لا مستقبل للعرب
فلا جدوى من إعداد الجيش
لقد فات الوقت كثيرا
لن نمنحكم حق معاداة البشرية
ما دمنا لا نملك أعداء
ما دمنا لم نخسر أنفسنا بعد
و نحن بحثنا في كل لغات العالم
عن معنى الأعداء
فلم نعثر
الناس ضحايا لسوء الظن

المجموعات جاءت في ” 95 ” صفحة من الحجم الصغير و في طبعة تعد أنيقة بالقياس مع مهازل بعض دور النشر التي لا تتردد أحيانا في استخدام ورق الجرائد ، و زينت الغلاف و بعض الرسومات الداخلية ريشة الشاعر ذاته ، و هو الذي لم يتخرج من معهد الأدب أو معاهد الفنون الجميلة ، لأنه حاصل على ليسانس اقتصاد – فرع تخطيط – و مع ذلك جمع مواهب الفنان المتعددة ، نأمل أن يصل هذا الصوت إلى القارئ العربي في كل مكان للتعرف عليه أكثر..
و صلى الله على محمد

ياسمين الحمود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *